بالاضافة الى التهجير الترانسفير القسري الذي يتخذ من الحرب غطاء له يحدث تهجير للفلسطينيين من نوع اخر يتم يوميا، تارة بالقانون وتارة بالخداع والخطط السرية، تارة بالافقار الاقتصادي وسرقة الأرض، ودعم الاستيطان الصهيوني. ومن بين قوانين سرقة الأرض كما يذكر الكاتب الفلسطيني صبري جريس ـ قانون أملاك الغائبين وكلمة غائب في نص القانون، تعني عمليا كل مواطن فلسطيني سواء لجأ الى خارج وطنه أو ظل مقيما فيه فالغائب هو كل انسان كان مواطنا في فلسطين ـ وغادر محل سكنه العادي في وقت ما الى أي مكان خارجها، أو الى أي مكان داخلها كانت تسيطر عليه في وقت ما قوات حاربت قيام اسرائيل أو حاربتها بعد قيامها. والمثير ان قانون أملاك الغائبين قد طبق على أملاك الوقف الاسلامي في فلسطين، والقانون الثاني الذي يبيح سرقة الارض يعرف باسم قانون الدفاع وقد تم بمقتضاه منع القرويين العرب من العودة الى قراهم التي تركوها خلال أحداث حرب 1948 أو تم طردهم منها بحجة الحفاظ على الأمن، والقانون الثالث يسمى قانون استغلال الأراضي غير المفلوحة وبمقتضاه يتاح لوزير الزراعة الاسرائيلي أن يصادر مايشاء من الاراضي العربية لمصلحة المستوطنات والكبيوتزات اليهودية حتى تتم فلاحتها، والقانون الرابع يتيح للدولة الصهيونية انشاء مايسمى سلطة ذات صلاحية تصدر امر اسكان في أي مكان وفي كل حالة تقتنع فيها ،هذا الامر مطلوب من اجل الدفاع عن الدولة وبعد عام 67 سنت اسرائيل قوانين متعلقة بما يسمى حق الدولة في مصادرة الاراضي العامة والصخرية في الضفة الغربية، واعلان أي قطعة أرض ملكية اسرائيلية عامة وكانت نتيجة كل تلك القوانين المفروضة بقوة السلاح: ان سرقت اسرائيل جميع اراضي اللاجئين الفلسطينيين، وصادرت مليون دونم يملكها 800 ألف عربي ظلوا مقيمين في مناطق الجليل والمثلث وبلغ مجموع الاراضي التي صادرتها اسرائيل في الضفة الغربية حوالي 60 في المئة من المساحة الكلية وفي مدينة القدس وحدها صادرت اسرائيل 56 ألف دونم من اجمالي مساحة 63 الف دونم كانت مخططة لمساحة المدينة قبل عدوان يونيو 1967 كما صادرت حوالي 242 و119 دونم من اجمالي مساحة قطاع غزة البالغة حوالي 364 ألف دونم، انها الخطوات المجرمة على طريق تحقيق عبرية الأرض ونزع سيطرة الاغيار الفلسطينيين عليها! ثمة اسطورية توراتية تفيد: أنه لا يمكن ان تنشأ علاقة سوية بين الاغيار وأرض الميعاد، وبعودة الشعب اليهودي الى أرضه يبدأ عصر الخلاص وتبرعم الأرض الاغصان وتغل الثمر وهكذا تتحقق الأساطير الدينية بالسرقة والسلاح! اساليب متعددة الافقار الاقتصادي سبيل اخر لـ الترانسفير فقد حاصرت اسرائيل تطور الصناعات الناشئة وقامت باخضاع اقتصاد الضفة وغزة، وفرضت على الفلاحين الفلسطينيين ضريبة باهظة اسمها ضريبة الأملاك والنتيجة ان الفلاحين الذين لم يستطيعوا دفع الضريبة تركوا ارضهم الزراعية لكي تبتلعها اسرائيل كما لجأ الكيان الصهيوني الى أسلوب المبادلة العشرية الذي يرغم الفلاحين العرب على مبادلة أراضيهم الخصبة بأراض غير خصبة، كما حدث في مبادلة أراضي مناطق كوباس وبردلة الخصبة وضمها الى المستوطنات الاسرائيلية وفي الوقت ذاته قامت اسرائيل بالاستيلاء على جميع مصادر المياه في الضفة الغربية 800 مليون متر مكعب سنويا وربطها بشبكة المياه الاسرائيلية العامة، وقيدت استخدام العرب للمياه الى حدود 120 مليون متر مكعب سنويا لجميع الاغراض وكانت النتيجة بوار الأرض المتاح زراعتها للعرب وتقليصها الى نسبة 4 بالمئة ودفع 120 ألف فلسطيني الى هجر الفلاحة واداء أحقر الوظائف في المصانع الاسرائيلية ثم تركهم لغول البطالة، كما حدث بعد الانتفاضة، حيث لا يكون امامهم حل سوى الهجرة للعمل في الاقطار العربية أو الأجنبية، هكذا يحدث الترانسفير لقوى العمل وبسبب من الضغوط الاسرائيلية المنظمة ترك الضفة وغزة 300 ألف شخص خلال الفترة الواقعة من 1968 ـ 1982 ولم تكتف اسرائيل باساليب التهجير غير المباشر بل نفذت خطط ترانسفير في الظلام واحاطتها بستار كثيف من السرية، على نحو ماتحيط به برنامجها النووي، وقد أزاح المنشق الاسرائيلي اسرائيل شحاك الستار عن بعضها. مثلا: ماينقله شاحاك عن مذكرات يوسف فايتس مدير الصندوق القومي اليهودي الاسبق الذي عرض على بن جوريون في نوفمبر 1951 مشروعا لنقل المسيحيين الفلسطينيين الى الارجنتين، ووافق بن جوريون الذي كان يجمع بين منصبي رئيس الوزراء ورئيس الشرطة السرية، وكان مقررا أن يقيم الفلسطينيون المنقولون في عقار كبير تبلغ مساحته 600 ألف دونم، يملكه يهودي صهيوني مقيم في الارجنتين، لكن المشروع فشل بسرعة بسبب رفض أول عشرة فلسطينيين اجتمع بهم فايتس! الحاخام مئير كاهانا وجد في الانتفاضة الأولى مايؤيد دعاويه النازية، وأعادة ترديد ماجاء في كتابه الهتلري لن يحدث ذلك أبدا حيث يقول:انني أحاول أن أوضح لشعب اسرائيل اننا اذا كنا نرغب في حقن دماء اليهود، فإن علينا أن نلقى بالعرب خارجا، وانه يجب طرد العرب الى الصحراء التي جاءوا منها وقد ألف كاهانا كتابا اخر اسمه يجب على العرب ان يرحلوا يصل فيه الى نتيجتين متلازمتين، أولاهما التناقض المطلق بين القومية العربية ومايصفه بالقومية اليهودية، وثانيهما:استحالة التوفيق بين مفهوم الدولة اليهودية وبين وجود العرب في أرض اسرائيل الذي يضر بنقائها العرقي، ويتعهد كاهانا فيما لو أصبح رئيسا للوزراء أو وزيرا للدفاع أن يضع العرب بين خيارين فمن يرد الخروج من تلقاء نفسه تقدم اليه التعويضات المالية ومن لا يرد نقوم باخراجه بالقوة، فنحن الذين نملك القوة وليسوا هم ويعرف أن كاهانا هاجر الى اسرائيل سنة 1971 وسبق له أن عمل مجندا لحساب المباحث الفيدرالية الأمريكية تحت اسم مايكل كنج حيث تورط في فضائح اخلاقية كثيرة وحكم عليه بالسجن خمس سنوات مع وقف التنفيذ في واشنطن وقد أشارت اليه أصابع الاتهام في حوادث تفجير سيارات ثلاث عن عمد في الضفة الغربية ، مما ترتب عليه بتر ساقي بسام الشكعة وبتر قدم كريم خلف سنة 1980 وكذلك اتهم مرارا بمحاولته نسف المسجد الأقصى بالتنسيق بين حركته كاخ وحركة جوش أمونيم التي تقود الاستيطان الصهيوني في غزة والضفة الغربية. والوجه الآخر لكاهانا المقتول هو الجنرال السابق رحبعام زئيفي الذي وصفه اسحاق رابين بانه رجل جميع المهام وزئيفي عمل مديرا لمتحف اسرائيل ثم وزيرا للسياحة في حكومة شارون، وهو توراتي مهووس لكنه يحاول أن يبدوا اخلاقيا، فقد قام بتأسيس حركة سياسية اسمها مولدت وانتخب عضوا في الكنيست ويتمحور برنامج حركة زئيفي حول كلمتين: الترانسفير الإرادي يقول لقد استوعبنا في اسرائيل اغلب يهود الدول الاسلامية والعربية والآن جاء دور هذه الدول لتستوعب السكان العرب من مناطق الضفة وغزة ويطالب زئيفي بأن تقوم اسرائيل من جانبها، بأعمال يشبهها بـ المغناطيس السلبي تجعل العرب ينهارون ويضطرون الى الرحيل والواضح انه يقصد تكثيف ماتقوم به اسرائيل من نشاط تهجيري غير مباشر بسرقة الارض وافقار الاقتصاد، بالاضافة الى اساليب أخرى كالتي نصحت بها وثيقة كونيج التي دعت الى تعليم العرب مهنا دولية لا تتاح لهم في اسرائيل فيضطرون الى السفر والعمل في الخارج، في هذا الصدد يقول زئيفي إن الفلسطينيين هم ـ في شكل تقليدي ـ جماعة مهاجرة وقد أصبحوا أكثر تطورا بسبب تأثير مئة سنة من الصهيونية، قدرهم أن يعملوا كمدرسين ومديري بنوك وموظفي ادارة ولا يضير أبدا الانتقال من مكان الى مكان انني لا اقترح تحميلهم على لوريات وانما أن تتم العملية بشئ من التنظيم فهناك 22 دولة عربية تستطيع أن تستوعب ويربط زئيفي بين الترانسفير والسلام، ويرى في الضفة وغزة النظيفتين من العرب ضرورة لأمن اسرائيل لا تكفلها التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وذات مرة سألوا زئيفي ماذا سيحدث لو فرض العرب الترحيل الإرادي الذي تقترحه؟ وكان رده: سوف يوافقون ويفسر الصحفي الإسرائيلي عمبرام كاهانا اجابة زئيفي المقتضبة بالقول: المفهوم من كلامه انه يدعو الى تكرار ماحدث في حرب 1948 حيث كان زئيفي قائدا في عصابات البالماخ وشارك في عملية المكنسة التي طردت العرب من سهل الحولة وقد استمرت العملية المذكورة عشرة أيام بدأت في 3 مايو 1948 استخدمت فيها 90 سيارة مصادرة من حيفا، وجرفت المكنسة عرب قرى طبحة وعرب زنغزية وعرب السميكة وعرب القديرية وتم ذلك بالسلاح طبعا .. هذا هو المعنى الفعلي للترحيل الإرادي الذي يدعو اليه زئيفي! إن دعاة الترانسفير ليسوا موجودين في صفوف المعارضة فقط، فاسحاق رابين أكد أن طرد الفلسطينيين هو السلاح المفيد جدا ولنبدأ بالمحرضين على الأعمال التخريبية ، ومعروف أن رابين هو الذين قرر طرد 62 قياديا فلسطينيا الى خارج الارض المحتلة في اعقاب الانتفاضة الاولى، وميخائيل ديكل نائب وزير الدفاع عضو في الليكود اقترح ـ حتى قبل أن تبدأ الانتفاضة - برنامجا للترانسفير مكونا من ثلاث نقاط نقل اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية وغزة وعددهم حوالي 500 ألف الى الدول العربية لاصلاح أحوالهم طرد ونقل الاسر التي يرتكب أفراد منها مخالفات أمنية كحل لمشكلة الارهاب ثم نقل كل المواطنين الفلسطينيين الذين لا يرغبون في أن يكونوا اسرائيليين الى الأردن وحين سأله الصحفي الاسرائيلي اسحاق رويه من جريدة «دافار» أليس هناك بديل من هذا؟ أجاب ديكل انه أمرا لا يقبل الضد أبدا، لا بديل وطرح الصحفي السؤال بصيغة أخرى: هل تعلن بهذا عن صهيونية وحشية جديدة؟ أجاب ديكل بتصميم لا بديل. الترانسفير المقبل ويبقى سؤال: هل الترانسفير الشامل ممكن، وهل يمكن لاسرائيل بالفعل ان تقدم بجنون على نقل حوالي ثلاثة ملايين فلسطيني خارج الأرض المحتلة؟ قد يقول البعض ان روح العصر الديمقراطية لا تحتمل جرائم كهذه أفظع من النازية، وأن الظروف تختلف الآن عن أيام 1948 أو حتى 1967 ربما كان ذلك صحيحا في ظاهره لكن جدواه مشكوك فيها كثيرا! آن لنا أن نتأمل حرب الديموغرافيا التي تجري الآن فوق أرض فلسطين فالتكاثر هو أحد الأسلحة التي يجب أن يعتد بها، والدراسات العلمية اثبتت ارتفاع معدلات الخصوبة لدى المرأة العربية، وعدد السكان العرب في الأرض المحتلة قبل 67 وبعدها، يساوي اليوم حوالي 45 بالمئة من اجمالي عدد السكان وقد اشار المكتب الاسرائيلي للاحصاءات ان نسبة العرب داخل حدود 67 فقط، ستصل الى 45 بالمئة من السكان عام 2010 وبعدها تتساوى النسبتان، ويصبح العرب أغلبية حتى لو أعيدت الضفة وغزة الى العرب؟ ولا يملك الاسرائيليون في المقابل غير سلاح الهجرة أو الاستيطان، وقد تعثرت برامج الاستيطان منذ عام 67 بسبب نقص موارد الهجرة، ولم يتوجه الى الضفة وغزة خلال عشرين سنة أكثر من 150 ألف مستوطن صهيوني، وتبدو موجات هجرة اليهود الروس كما لو كانت حلا انقاذيا، وهو تطور لو اكتمل فسوف يعني حربا نهائية حول الأرض التي لن تتسع للصهاينة والعرب معا، إنه التاريخ الذي قد يعيد نفسه: موجات هجرة اليهود بسبب جرائم النازيين شجعت الصهيونية بالتعاون مع الاستعمار، على طرد الفلسطينيين سنة 1948، وموجات الهجرة الروسية قد تشجع الصهيونية على عمليات طرد و ترانسفير أكثر وحشية هذه المرة! ولنا أن نتأمل ـ أيضا موقف اسرائيل من الضفة الغربية من وجهة نظر أمنية وقومية، فالضفة وغزة اجزاء من أرض اسرائيل الكبرى كما تدعي الاستراتيجيا الصهيونية، وتتمسك بها الأحزاب الدينية عالية الصوت اليوم في اسرائيل والوثيقة الصهيونية المسماة استراتيجية اسرائيل في الشرق الأوسط تنص بصراحة على أن طرد الفلسطينيين وتوزيع السكان هو هدف استراتيجي داخلي له أهمية فائقة، ويهودا والسامرة الضفة الغربية والجليل، هما ضماناتنا الوحيدة لوجود وطني، واذا لم نصبح الأكثرية في المناطق الجبلية، فإننا لن نحكم البلاد وسوف نصبح مثل الصليبيين الذين خسروا هذا البلد لأنهم ظلوا فيه غرباء ان اعادة موازنة البلاد سكانيا واستراتيجيا واقتصاديا، هي الهدف الأسمى والأكثر مركزية اليوم أما .. أين يذهب الفلسطينيون المطرودون، فالوثيقة تجيب بوضوح: إلى الأردن إن سياستنا ـ أي اسرائيل ـ يجب أن توجه نحو تصفية دولة الاردن الحالية ونقل السلطة الى أيدي الاغلبية الفلسطينية مما يساعد في انهاء مشكلة الاراضي المأهولة بكثافة بالعرب غربي نهر الأردن وتشير وثيقة اسرائيلية صدرت عن معهد جافي الى ان احد اختيارات اسرائيل من اجل السلام هو الابقاء على احتلالها لاغلب الضفة الغربية، والنقل الجبري للفلسطينيين من الضفة وغزة لاقامة دولة فلسطينية في شرق الاردن. باختصار، الحرب (الاسرائيلية) المقبلة هي حرب (الترانسفير) إن هذه النتيجة يجب ألا تزرع اليأس، بل تفترض اليقظة والحذر، وأن نعد لهم مانستطيعه من قوة ومن رباط الخيل. ـ كاتب سياسي مصري