ديسمبر، عام اثنين وستين وتسعمئة وألف، بدأت عملي كمصمم للسجاد في مؤسسة التعاون الانتاجي، مقرها الدقي، الذي كان أشبه بالضاحية في ذلك الوقت لهدوئه وجمال شوارعه ذات الطابع الأنيق، ولبعده النسبي عن وسط المدينة الذي يمتد من ميدان الأوبرا الى ميدان التحرير. «المؤسسة المصرية العامة للتعاون الانتاجي» كان ذلك اسم المؤسسة التي التحقت بها لم تكن كلمة مؤسسة شائعة في مصر حتى بداية الستينيات، كانت محدودة الاستخدام، كان الشائع كلمة شركة ولكن بعد التأميمات الكبرى ظهرت كلمة مؤسسة وكانت تعني ادارة تشرف على عدة شركات متشابهة في النشاط، هكذا عرفنا المؤسسة المصرية العامة للنسيج، المؤسسة المصرية العامة للحريات، المؤسسة المصرية العامة للنقل البحري، مؤسسة مصر للطيران... الخ. كانت المؤسسة المصرية العامة للتعاون الانتاجي تشرف بالادارة والتخطيط على تشكيلات ادارية تنتشر في المحافظات يطلق على كل منها مديرية مثلا مديرية التعاون الانتاجي بأسيوط، وتتبع هذه المديرية مصانع صغيرة للانتاج اليدوي والحرف التقليدية كانت موزعة على القرى والنجوع الصغيرة، وكان عملي ينقسم الى نشاطين أولهما تعميم الرسوم الخاصة بالسجاد واعدادها للتنفيذ على ورق خاص مقسم الى مربعات صغيرة كل مربع يقابله عقدة في النسيج ثم القيام بمرور منتظم على تلك المصانع لمتابعة تنفيذ تلك التصميمات، أتاح لي ذلك زيارة جميع المدن المصرية من أقصى الجنوب الى الشمال، ليس المدن فقط ولكن القرى ايضا، في نفس الوقت كنت أمارس عملي الوظيفي في القاهرة وعلى الرغم من الجهد الرئيسي الخاص بتصميم السجاد الا انني كنت أقوم ببعض الأعمال المكتبية مثل كتابة الخطابات الخاصة بتنفيذ التصميمات والخامات المستخدمة في السجاد من صوف وقطن وأحوال تتصل بالعمالة كنت مازلت في بداية عملي أي آخر السلم الوظيفي، وكان العاملون في المؤسسة ينتظمون في سلكين، الأوائل كل منهم على درجة تبدأ من السابعة وتتدرج عكسيا حتى الأولى ثم أضيف اليها فيما بعد الأولى الممتازة وتلك تسبق درجة، المدير العام التي يعتبر الترقى اليها خطوة كبرى ربما لا ينالها الانسان الا قرب نهاية خدمته، هذا اذا وصل اليها، ولكل درجة مستوى مالي معين ومظهر خاص ينعكس على نوعية المكتب ويتعلق الامر هنا بمساحة المكتب وعدد الادراج وهل تغطية بنورة أم لا؟ كذلك الهاتف، فالهاتف بدون قرص المتصل بالبدالة للصغار، والهاتف المزود بقرص لكن يلزم تزويده بخط عن طريق البدالة للدرجة الارقى اما الهاتف المزود بخط مباشر فيخص الدرجة الأولى ومديري العموم وبالطبع رؤساء مجالس الادارات كذلك نوعية المقعد، فالمقعد العادي للصغار وثمة مقعد مكسو بقماش وثير وثمة مقعد دوار أي يمكن للجالس فوقه أن يستدير ذات اليمين وذات اليسار، هذه للفئات العليا كذلك عدد المكاتب في الحجرة الواحدة كنت من المعينين طبقا لنظام المكافأة الشاملة أي مبلغ يخصم منه بعض الضرائب، يزيد بنسبة مئوية كل عامين لكن لا درجة له، اذن فرص الترقي منه معدومة، وكنت أتطلع الى زملاء لي نجحوا في الانتقال من نظام المكافآت الشاملة الى الدرجات لكن ذلك لم يكن سهلا، رغم ان المؤسسة المصرية العامة للتعاون الانتاجي كانت في ذلك الوقت منشأة حديثة كونت مع مثيلاتها ما عرف بالقطاع العام، أي الملكية العامة لوسائل الانتاج، والذي حار المنظرون في ذلك الوقت حول الوصول الى تعريف محدد له هل هو نظام اشتراكي؟ أم انه تطبيق عربي للاشتراكية؟ رغم حداثة المؤسسة الا انها ورثت تقاليد النظام المصري البيروقراطي، النظام الأقدم في التاريخ، والذي كان لابد منه لضبط توزيع ماء النهر، ومواقيت الزراعة وتحصيل الضرائب، وهذا النظام رغم عتاقته وارتفاع نبرة السخرية أحيانا منه الا انه كفل تسيير المجتمع بدقة صارمة ولا تبدو عيوبه الا في فترات الاحوال السيئة، حيث يسرى فيه الضعف والوهن، ويدب الفساد في ذلك الزمن البعيد عندما اصبحت جزءا من المؤسسة، صحيح انني كنت نفرا صغيرا فردا ضئيلا لكنني منها وانتمي اليها كنت غرا جاهلا بالمبادئ والأصول التي تحكمها وتنظم أعمالها وهكذا كان لابد أن أمر باختبار قاس عند أول خطأ. في أحد الايام طلب مني رئيس القسم ان اكتب مسودة خطاب سيوجه الى مدير المديرية الانتاجية بالفيوم، تناولت ورقة وقلما وكتبت المسودة، فوجئت بالساعي يدخل الصالة التي كنا نجلس فيها ستة، لكل منا مكتب صغير ومن طريقة ظهور الساعي ومن تعبير وجهه يمكن التنبؤ أهي بشرى ام انه نذير؟ والسعاة انفسهم طبقات فالساعي الذي يعمل في الأرشيف لا يتساوى مع الساعي الذي يعمل مع المدير العام، أو رئيس مجلس الادارة قال الساعي بلهجة جافة: عبدالعظيم افندي يطلبك ذهبت اليه متوجسا في الغرفة التي يجلس فيها مع سيدة رئيسة قسم مثله، كنت متوجسا، أتوقع شيئا مزعجا، واستدعاء الرؤساء من الأمور التي تزعجني تماما مثل رنين الهاتف بعد منتصف الليل أو وصول برقية. تطلع اليّ وقال بلهجة حاسمة: اقعد قعدت، عبدالعظيم أفندي رجل قديم خدم في مصلحة حكومية سنوات عديدة تتبع وزارة التموين ثم نقل الى المؤسسة بدرجته مع مكافأة اضافية ليصبح رئيسا لقسم التصميمات كان ممتلئا، يمشى منفرج القدمين يميل الى الوراء وكأنه على وشك السقوط وكان عند جلوسه الى المكتب يرتدي غطاءين ليديه من قماش اسود فوق القميص اتقاء للكوبيا التي كان يستخدم الاقلام المصنوعة منها. هل تعرف انك ارتكبت خطأ جسيما قلت خائفا متسائلا: أنا يبدو انه أشفق عليّ فرقق من لهجته شوف يا بني لولا انك في أول الطريق لاحلتك على التحقيق تطلعت اليه صامتا مستفسرا عن جرمي، واصل: كيف تجرؤ على كتابة خطاب باللون الأحمر نظرت الى مسودة الخطاب امامه انه القلم الذي كان متاحا لي الذي وجدته اشار بيده لا تشرح انني افهم جهلك بالأصول وبدون الأصول لن تنجح في عملك اسمع يابني بدأ عبدالعظيم افندي يلقني الأصول فاللون الأحمر لا يستخدمه الا رئيس مجلس الادارة للتوقيع فقط، وفي حالة رفعه خطابا الى الوزير لا يصح له التوقيع بالأحمر، بل الأخضر تجاوزا لكن يفضل الأسود، ويتاح استخدام الاخضر لمن كان في موقع المدير العام عند مخاطبته رئيس مجلس الادارة أما رؤساء الاقسام فلهم الأسود والأزرق، أما صغار العامين - مثلي - فيستحسن استخدام القلم الرصاص عند كتابة مسودات الخطابات ليمكن محو الألفاظ أو تعديلها وعند طباعة الخطاب على الالة الكاتبة يحق لمن يكتب الصيغة التوقيع في الزاوية اليمنى بخط صغير جدا، وذلك لتحديد المسئولية في حالة وقوع خطأ يليه توقيع الرئيس المباشر وتبقى الناحية اليسرى خالية لتوقيع سيادته مع الأخذ في الاعتبار ترك مساحة بيضاء لاي تأشيرات محتملة من المستويات الاعلى. يبدو ان عبدالعظيم افندي كان مستريحا أو ربما رق لي، كان مزاجه هادئا فاستمر يلقني الأصول من أهم ما أذكره نصيحته لي تجنب الجمل الواضحة اذا طلب مني ابداء الرأي وطلب مني أن اتأمل بعض التأشيرات التي يكتبها كبار المسئولين من المستويات العليا الى الاعلى مثلا: برجاء ابداء الرأي برجاء النظر للعرض على سيادتكم للدراسة والبحث أما أسلوب المخاطبة فله قواعد كنت قد بدأت صيغة الخطاب بجملة أدبية بليغة مثل أهديكم سلاما أرق من النسيم اذا خطر ومن القمر اذا ظهر صاح عبدالعظيم أفندي مستنكرا: ما هذا هل ستكتب قصيدة شعر أملي على الجمل الصريحة الواضحة المختصرة والتي لا تحتمل تفسيرين جمل البداية وجمل النهاية، الجمل التي يجب توجيهها الى المدير العام وتلك التي يجب ان توجه الى رؤساء الاقسام أو مديري الادارات اما سيادته فلا يمكن مخاطبته مباشرة الا من خلال المدير العام تلك هي الأصول انتبه اليها وضعها في حلقة في أذنك كان ما املاه عليّ عبدالعظيم افندي، أول أصول من تلك التي تقوم عليها المؤسسة ومنذ ذلك الزمن البعيد بدأت انتبه الى الاصول تلك المقروءة ذات الوجود المادي المحسوس وتلك اللامرئية، فثمة أصول تحكم عمل المؤسسة وايقاع حركتها سواء اليومي أو الشهري أو اللانهائي وخلال اربعين عاما تنقلت فيها من عمل الى اخر ومن مؤسسة الى مؤسسة شغلت بفحص الأصول الظاهرة والباطنة، ودراسة ذلك الكيان اللامرئي المؤسسي القائم بذاته الذي تحركه الأصول والذي يوجد الأصول. خلال تلك العقود الأربعة اتسع وتحدد معنى المؤسسة ذاع اللفظ وانتشر، لم يعد قاصرا على المؤسسات الاقتصادية بل ان اطلاقه على تلك المنشآت انتهي مع بيع القطاع العام وانتهاء المرحلة الاشتراكية ولكن كلمة المؤسسة اصبحت تطلق على المؤسسة العسكرية، المؤسسة الدينية ،المؤسسة الفكرية واحيانا تطلق على الزواج باعتباره مؤسسة عائلية وعندما أمعن النظر أجدها تطلق أيضا على الحياة بأكملها بشقيها الظاهر والباطن ما نعرفه وما لم نعرفه بعد وما سنظل نجهله، الكل من أصول المؤسسة.