ماذا نقول عن مظاهرة في روما قوامها مئة الف شخص اغلبيتهم ايطاليون شعارها الرئيسي لا للحرب ضد شعب افغانستان؟ هذا السؤال طرحه في ندوة تلفزيونية الصحفي والدبلوماسي الفرنسي سابقاً ايريك رولو دون ان ينتظر اجابة له. فقد كان استفهاما تقريرياً اراده رولو كمثال من صميم الواقع، ليبرهن حجته بأن الحملة التي تقودها الولايات المتحدة حالياً باسم مكافحة الارهاب ليست حرباً يشنها الغرب المسيحي ضد الاسلام والمسلمين. واذا كان هذا الطرح الذي يصدر عن صحفي اوروبي مخضرم يعتبر خبيراً في الشئون العربية والاسلامية ولم يلحق به اتهام بالتحيز او التعصب للغرب، يتناقض تماماً مع رؤية اسامة بن لادن ومن يؤيدونه في العالم الاسلامي من قادة منظمات راديكالية الطابع، فأين تقع الحقيقة؟ ولماذا يخرج عشرات الالوف من غير المسلمين في ايطاليا في مظاهرة لمعارضة حرب بقيادة دولة غربية عظمى ضد بلد مسلم؟ لنعد للوراء قليلاً. في القرن المنصرم، وخاصة طوال عقدي الخمسينيات والستينيات، اندلعت سلسلة من الثورات الشعبية في العالم النامي في امريكا اللاتينية الى شرق اسيا عبوراً بافريقيا. ورغم ان التذمر العام كان في طليعة قيادته منظمات ماركسية، الا ان الغالبية العظمى من التنظيمات الثائرة بقواعدها الجماهيرية لم تكن تعتنق المذهب الماركسي. هذا التذمر العام في العالم النامي الذي تبلور في حركة «عدم الانحياز» على مستوى الحكومات و«هيئة التضامن الاسيوي الافريقي» على المستوى الشعبي كان يعكس اجماعاً على اعتبار الولايات المتحدة او «الامبريالية الامريكية» العدو الاول المشترك الذي يمثل الظلم العالمي لاغنياء العالم ضد فقرائه. وكما عبرت منظمات ايطالية شعبية قبل نحو ثلاثة اسابيع عن تضامنها مع افغانستان ضد الولايات المتحدة، على نحو ما استشهد به ايريك رولو، كانت هناك في الماضي ايضاً منظمات غربية تنشط في التضامن مع شعوب امريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا داخل جبهة واحدة ضد امريكا باعتبارها قائدة لنظام رأسمالي عالمي يمارس الظلم على فقراء العالم.. بما في ذلك الطبقات العاملة داخل بلدان الغرب نفسها. فهل هناك وجه شبه بين اليوم والامس؟ كما لعبت المنظمات الماركسية بالامس الدور التحريضي والتنظيمي والقيادي الاعظم لاستثارة شعوب العالم الثالث ضد الامبريالية الامريكية، فان ما تخشاه الولايات المتحدة هو ان تتولى هذا الدور الان المنظمات الراديكالية الاسلامية.وما بين الامس واليوم لم تتغير الصورة العالمية كثيراً.. وان كان هناك تغيير فهو ان اغنياء العالم ازدادوا غنى بينما ازداد فقراؤهم فقراً. واذا كان جورج بوش لا يمل اليوم من تكرار ان «الحملة الامريكية ضد الارهاب» ليست حرباً ضد الاسلام وامة المسلمين وحدها، فانه لا يقول الا الحق دون ان يقصد ذلك. فالولايات المتحدة تنهض اليوم كما نهضت بالامس لتقمع حركة عالمية تنطلق من العالم الثالث ضد وحشية نظام رأسمالي يعد العدة لترسيخ هيمنة اقتصادية ظالمة باسم العولمة.اجل.. لايزال الظلم الامريكي ينتظم شعوب قارات امريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا، مع اتساع الفجوة في الوقت نفسه داخل المجتمعات الغربية نفسها في نظام توزيع الثروة.. وواشنطن تدرك من تجربة الماضي ان التذمر الشعبي العام في العالم الثالث لن تتوحد التنظيمات المعبرة عنه الا اذا توفر لها طليعة قيادية يربط بين عناصرها رباط ايديولوجي واحد. وبنفس القدر تدرك واشنطن ان هذا الوصف ينطبق اكثر ما ينطبق على المنظمات ذات الاجندة الاسلامية، تماماً كما كان حال المنظمات ذات الاجندة الماركسية في القرن الماضي. نستخلص اذن ان الحملة التي تشنها الولايات المتحدة باسم «مكافحة الارهاب العالمي» موجهة ضد شعوب اسلامية وغير اسلامية يجمع بينها عداء مشترك ضد نظام اقتصادي عالمي مبني على الظلم والتميز، وهي ضمن هذا الاطار العريض تستهدف بصورة خاصة منظمات اسلامية مرشحة بصورة طبيعية لتولي مقعد القيادة.