منذ أن أطلق الرئيس الامريكي العنان لكلمته عن الرغبة في قيام دولة فلسطينية بالصراحة الاعلامية الواضحة واللقاءات تتوالى حول هذا الموضوع على المستوى الاوروبي والعربي والاسرائيلي، للتفكير في كيفية تفعيل تلك التصريحات الجريئة في الوقت الذي تهتز الارض غضبا تحت اقدام اليهود من جراء العمليات الاستشهادية مقابل وحشية شارون في جيوشه. ولا يكاد يمر يوم الا ونسمع مسئولا رفيع المستوى من هنا في العمق العربي او من هناك في الاعماق الواسعة والضاغطة الاخرى يؤكد ضرورة الوصول الى صيغة مرضية لارساء دعائم العدالة لازمة الشرق الأوسط المتفاقمة بسبب التعنت والتصلب اللذين اصابا الشرايين الاسرائيلية الرافضة للسيلان حول طاولة مفاوضات جادة نحو الحَل وليس «الحِلْ». وأخيرا وليس آخرا بالطبع، أعرب شيمون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي عن اعتقاده بأن الدولة الفلسطينية ستقام في نهاية المطاف ولكنها ستكون بدون جيش وكأن الوضع القائم في العقبة الكؤود هو وجود جيش من اطفال الحجارة وهم بمثابة الجيش الحقيقي للدولة الفلسطينية المؤجلة الى حين الموافقة الاسرائيلية النهائية. فلنسمع بأذن من طين وأخرى من عجين الى تأكيدات بيريز في حديثه الى «صوت فلسطين» وهو الاول من نوعه منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، حيث اكد على انه لا بديل للمفاوضات حتى يتم الحصول على حسن الجوار. فكل ما هو مطلوب هو ضمان التوصل الى وقف اطلاق النار وتنفيذ كافة الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين وفي حالة ان يسود الهدوء كافة المناطق الفلسطينية فان القوات الاسرائيلية ستنسحب من كافة المناطق دون قيد أو شرط. يبدو ان مثل هذه التصريحات التي صدرت من بيريز كانت في وقت المساء او الليل، لانه سرعان ما ينطبق عليها كلام الليل يمحوه النهار. فما ان يخرج ضوء الشمس حتى يعود ازيز المروحيات وطلقات الصواريخ للتوجه نحو اداء مهامها اليومية في حصد المزيد من القادة النوعيين، للوقوع في شراك اللعبة الاسرائيلية التي تمارس باسم السياسة الخارجية، الا انها تنفذ بالسياسة الداخلية بطريقة لا تمت الى السياستين بصلة. فالذي يحكم اسرائيل اليوم هو جنرال مخضرم في الجيش الذي لم يذق يوما طعما للسياسة، وهو الذي يطالب ان تقص كافة اجنحة الجيش الفلسطيني غير الموجود أصلا، حتى يتم مباركة قيام الدولة الفلسطينية الخالية من كل وسائل الدفاع عن وجودها امام الوجود الاسرائيلي المفروض بقوة الجيش اولا وأخيرا.