عندما اكتشفنا ـ كجيل من شباب القارئين ـ ابداع العبقري الروسي انطون تشيكوف كنا كمن انتابته احدى ظواهر الطبيعة من رعد او برق او صاعقة هزت كيانه من الاعماق. ومرة اخرى نذكر بكل خير الايادي البيضاء للمترجمين من أهلنا من عرب سوريا ولبنان بالذات الذين قدموا لنا تشيكوف وقصصه القصيرة وحكاياته الطويلة في عربية سائغة وان كنا قد احتار دليلنا في فهم اسماء المراتب التي يتسلسل اليها مؤسسة الكهنوت المسيحية وخاصة في كنيسة روسيا الارثوذكسية الشرقية صحيح ان فهمنا كلمة شماس او قسيس او مطران او اسقف لكن من كان منا يستطيع ان يفهم مثلاً.. مثلاً يعني كلمة «قندلفت» او ارشيدياكون الاول هو خادم الكنيسة والثاني هو كبير الشمامسة مع ذلك كنا نقرأ ونستمتع. ومع تنامي النضج الفكري والعاطفي وخلال فترة الطلب الجامعي تعمقنا اكثر في عالم تشيكوف فقرأنا مسرحياته ذات الايقاع المتميز كنا نقرأها بالاقتران مع سيد آخر من سادات المسرح هو المبدع النرويجي هنريك ابسن (صاحب مسرحيات بيت الدمية وعدو المجتمع) وكان يسبق هذا كله ويتبع هذا كله قراءة في مسرح برنارد شو الذي كانوا يصفونه بأنه مسرح الكوميديا الساخرة وكنا نراه مسرح الفكرة وكان في هذا ما يحول بيننا ـ كجيل ـ وبين الاستمتاع بأعمال شو وسخرياته (ترى هل السبب اننا تعودنا في مصر العربية على النكتة الحراقة او المفارقة ذات الطعم الحريف على نحو ما تراه مثلاً في اعمال نجيب الريحاني ومن ثم فلم نكن نستطعم تهكم الانجليز؟). نعود الى العم تشيكوف وهو محور هذا الحديث.. حين قرأناه.. احببنا ان نعرف عنه شيئاً وقد رحل عن الدنيا في اوائل القرن العشرين (سنة 1904) وحين طالعنا صورته منشورة على أغلفة اعماله القصصية او المسرحية الفيناها صورة مفكر مستغرق في التأملات او صورة فنان يهيم في سموات الابداع، ولان العبد الفقير مفطور على الاهتمام بالصوت والنغمة وذبذبات الايقاع فقد «استولدنا» ـ ان شئت التعبير ـ صورة صوتية من واقع الصورة المنشورة لانطون تشيكوف تخيلناه اذن رجلاً خافت الصوت لا يكاد يجد وقتاً ليتكلم فإن تكلم فهو همس وهو انصاف عبارات وارباع جمل ومعظم ما ينطق به سيكون محصلة تأمل ونتيجة فكر سابح في اجواز الخيال ولسنا نكتم ان ظلت هذه الصورة المرئية والصوتية تعيش في ركن من وجداننا عبر سنوات العمر صورة تشيكوف المتأمل يقطر فناً ولا يجد وقتاً لكي يقدم على ما يقدم عليه الناس العاديون من تعاطي شئون الحياة اليومية وشجونها. لكن يشاء ربك ان يغير هذا كله وبعد انقضاء هذه السنوات الطوال وأصل الحكاية ان جئنا الى نيويورك وهي في شغل الآن من أمر ما اصابها وكان نزولنا اليها في اواخر الصيف وكان من الطبيعي ايضاً ان نهرع الى مكتبتنا الاثيرة في «يونيون سكوير» لكي نطلع على أحدث ما انتجته المطابع مما يفيد واحياناً مما لا يفيد.. وكان ان اقتنينا طبعة جديدة من اعمال تشيكوف وقد ترجمها الى الانجليزية روبرت باين وهي ترجمة ارتشفنا متعتها وحمدنا لها دقتها ليس لأننا نعرف الروسية ولا يخفى عليك مدى جهلنا بها والامر لصاحب الامر ولكن لان الترجمة الانجليزية ادخلتنا في الجو الروسي الذي رسمته ريشة تشيكوف وصاغته عباراته في سبيكة فريدة تكاد في اطارها تشم عبير الارض المزروعة وتصغي الى حوار الفلاحين وتراتيل الكهان وثرثرة العجائز على عتبات الدور وصرير ريشة الحبر العتيقة في مكاتب الحكومة القيصرية..الخ وعندنا ان قيمة هذه الطبعة تكمن في مقدمة المترجم المتمكن 37 صفحة ـ يا مولانا ـ من القطع المتوسط صال فيها المترجم وجال لكي يرسم لنا صورة من ادق ومن اقرب ما يكون لبطله صاحب العمل الابداعي الاصلي، قال لنا المترجم ما معناه: ـ لا تصدقوا الصورة التي طالما طالعتموها للكاتب تشيكوف صورة رجل متأمل هدت كيانه السنون ولاحت على وجهه تجاعيد الزمن وخطوط الاجهاد وبدت سحنته اقرب الى شحوب او ذبول بل تكاد شفتاه ـ في الصورة ـ تنطبقان كأنما من فرط الألم او المعاناة تلك صورة ـ يقول المترجم ـ لباحث عجوز او لطبيب العائلة في الارياف. لكن الحقيقة كانت على خلاف ذلك على طول الخط: الحقيقة ان الصورة استندت الى مخطط سبق وان وضعه فنان مجهول يدعى جوزيف براز في عام 1898 وكان تشيكوف يعاني وقتها من آلام السل العضال وكان يساوره شعور بالقلق لا يكاد يستقر في مقعده امام الفنان الذي لم يكن موهوبا كما ينبغي ولا كان صاحب الصورة يثق في ان النتيجة ستكون على ما يرام. الفنان قد يكون رسم ملامح تشيكوف.. لكنه لم ينقل الى العين المتأملة روح تشيكوف ولا شخصيته الحقيقية والحاصل ان تشيكوف نفسه كان يبغض هذه الصورة ويتهمها بأنها بعيدة عن روحه ونفسيته وحين رآها معلقة في مسرح موسكو القومي كتب الى زوجته يقول: «في الصورة شيء ما غريب عني فيها شيء ناقص.. لها رائحة مبغضة الى نفسي». ومع مرور الايام ازداد هذا البغض حتى كان يصفها بأنها «الصورة الشنيعة». والحق ـ يقول المترجم ـ ان الصورة ظلمت انطون تشيكوف حين قدمته الى الناس في اهاب المتأمل الذي ارتسمت على وجهه تباريح الاجهاد من فرط التعمق في التفلسف او التفكير والانعزال والحقيقة ان تشيكوف لم يكن هذا الرجل على الاطلاق. والثابت ـ يضيف المترجم في مقدمته المسهبة ـ انه كان رجلاً شديد المرح كثير الحركة، جمّ الاسفار.. يهوى تدبير المقالب ويجيد كسب الناس ويفتح بيته او بيوته سواء في روسيا او المانيا لجموع الاصدقاء يأكلون وينامون ويتسامرون وحين يأنس الى اصحابه كان من العسير ان يتصور الجالسون ان تشيكوف سيطالهم بالأدق يفاجئهم في اليوم التالي بقصة قصيرة تعيش وتؤثر في الناس مثل قصة الحوزي الذي يتحاور مع جواده في «لمن اشكو احزاني» او يرصد في ابداع موجز لمحة من لمحات السلوك الانساني مثل «موت موظف».. او بفصل من مسرحية اختار لها مبدعها اسم «بستان الكرز» او عنوان «الخال فانيا». كان تشيكوف يكتب بغير معاناة ويبدع بشكل عفوي تلقائي ـ او هكذا تبدو في ظاهرها الامور ـ صورته التي بين ايدينا لا تنبئ عن انه كان رجلاً تتناهى ضحكته مجلجلة في ارجاء المكان يجيد تقليد الشخصيات التي تجد طريقها احياناً في أعماله القصصية الجنرالات المتقاعدون الموظفون المنافقون فلاحو الموجيك الذين لا يكادون يعرفون على العالم قليلاً او كثيراً بقايا طبقات الامراء والنبلاء والاقطاعيين بكل ما تحويه نفوسهم من كبر وغطرسة وخيلاء. تشيكوف كان يقلد هؤلاء ويسخر منهم ويتعامل مع بعضهم ثم «يستخدمهم» في شخوص الاعمال الجميلة التي كان يتوفر على ابداعها وما ابعد الفرق بين الصورة التي عششت في ادمغتنا زمنا صورة الفنان المطل على الحياة من عل يفكر ويتأمل بهذه الحقيقة التي عرفناها منذ اشهر معدودات بعد ان طالعنا بها بل رمى بها في وجوهنا السيد المترجم روبرت باين صورة تشيكوف المهرج الذي كان يملأ الدنيا ضحكاً وتقافزاً وسخراً وتهريجا. ترى ماذا عسانا نختار بين الصورتين؟ الحق نقول اننا مازلنا نفضل الصورة التأملية الاولى وقد عايشناها دهراً طويلاً واحتلت مكانتها في ارشيف الذاكرة على مدار السنين.. هكذا «نحب» ان نجسد في وجداننا الصورة الرمزية للعبقرية والابداع ولتذهب الحقيقة ـ مع كامل الاحترام ـ الى حيث تشاء.