يمر العرب بمرحلة من أكثر مراحل تاريخهم الحديث صعوبة، وربما كانت فريدة، من حيث بؤسها وتناقضاتها وخصب مناخها وغزارة معطياتها، وآمل أن تكون حافلة باستعدادهم لرؤية أنفسهم وواقعهم وحقائق أوضاعهم وصلاتهم، وحقائق العالم ومتغيراته، من حولهم، بما يمكنهم من استنفاد طاقة هذه الفرصة لإعادة النظر في أمور ومواقف وقضايا، ولترسيخ ثوابت واحترامها والإجماع عليها، والاستعداد والإعداد لتبقى الثوابت المبدئية ثوابت، يحميها أقوياء، يعرفون كيف يحفظون حقوقهم ومصالحهم وكرامتهم. إن العالم من حولنا يتغير لصالح نظام تقوده دولة وحيدة، وهو عالم محكوم بقوة قرار مجموعة من الدول هي التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، وما زالت تملك وحدها حق النقض، وهو عالم يريد أن يقيم علاقات وصيغ عمل وتعامل جديدة تحفظ للأقوياء فيه وجوداً ومنافع وحقوقاً، وتجعل الباقين، وما أكثرهم، مجرد زحوف من أفواه وسواعد تستهلك ما يصنعه الأقوياء وتنتج ما يبتغون. والعرب يضيعون في دوامة العلاقات الدولية الجديدة التي لا تكاد تحفظ لهم حقاً بالجلوس في ظلال مؤتمر دولي لمجرد الحوار مع عدوهم، ولا أرى مخرجاً لهم مما هم فيه، على كثرة ما يملكون من مال ومقومات قوة اقتصادية وبشرية، إلا في احترام الإنسان وحقوقه وحرياته، ومشاركته في القرار على أرضية من المسئولية التامة عن الوطن والمستقبل والمصير، وعلى أرضية المساواة التامة في الحقوق والواجبات، وأمام القانون وأحكامه، وفي تسلم السلطة وممارستها وتداولها باعتبارها مسئولية وأمانة وتكليف لأفضل القادرين بخدمة الأمة بأفضل ما لديهم من طاقات وإمكانيات ، وفي صنع القوانين ومراقبة تطبيقها، باحترام تام للكفاءة والمقدرة والتراتبية القيمية والأخلاقية، وبحرص على صلاح أمر الشخص ليقوم به صلاح أمر المجتمع، وكذلك في خروجهم من الجهل المتنامي، والتخلف الذي يفرض عليهم بأشكال مختلفة لتجاهل حقيقة ما يراد أن يسود عقولهم وأوطانهم من تجهيل في الميادين العلمية والتقنية على وجه الخصوص، وتعطيل لملكة المبادرة وحرية الإرادة والقرار. الثقافة والسياسة وإذا أتيحت لنا نحن العرب في ظروفنا الراهنة، فرصة مراجعة الذات ومحاورة الآخر باحترام تام له بوصفه الشريك في الوطن والمصير وحمل الهوية والمسئولية، في إطار حوار يقوم بين المثقفين والمسئولين، وبين التنظيمات السياسية القومية والقطرية، وبين ذوي الاتجاهات والرؤى السياسية والعقائدية، على أرضية من الثقة والاحترام، فإن ذلك سيمكننا من ترتيب مقومات القوة حسب أولويات في برنامج عمل مشترك، ويؤسس للسير على طريق سليم تحكمه معيارية أخلاقية وقيمية وقانونية واجتماعية، تعلي شأن الوطن بوصفه جزءاً من الأمة، وتصون حرية المواطن وحقوقه ومناخ العمل الديمقراطي الذي يحميه من جهة، ويمكنه من الإبداع وتحمل المسئولية من جهة أخرى، وترفع جملة من المبادئ والثوابت والمصالح والقيم فوق كل خلاف سياسي أو تنظيمي أو عقائدي ليكون صالح الأمة ومصلحة مجموع الناس في أي قطر، وحماية الأسس التي تقيم للدولة والأمة قائمة، فوق كل خلاف وكل اعتبار. إن الثقافة تلعب دوراً مهماً في موضوع الحوار وفي موضوع مقاومة أشكال الغزو وأشكال التفرقة، ولكن حتى يكون للثقافة ولجبهة المثقفين مثل هذا الدور الإيجابي المؤثر لابد من حوار جاد بينهم، يجعل جبهتهم تتماسك، وفق ثوابت وبرامج عمل وأصول تعامل ومقومات تقويم وتحرك. ولن تفرض الجبهة الثقافية حضوراً واحتراماً في ساحة العمل العربي المشترك، ولن يتاح لها أن تفرض رأياً وتعمل على صنع قرار، والتحريك باتجاه تحقيق رؤية ومشروع نهضوي، ما لم تعمل باحترام لعلاقة الثقافة بالسياسة من جهة، وبرفض لتبعية الثقافة للسياسة من جهة أخرى. ولن يتاح لها ذلك ما لم تر الثقافية أرضاً مشتركة لكل العرب وعامل تواصل وتأصيل واستشراف للمستقبل، تفرضه استراتيجية قومية للعمل، لها معاييرها المستمدة من الثوابت العربية ـ الإسلامية، والقومية العقيدية، التي تملي ضرورة فهم وعمل للقطري في إطار القومي، وللخصوصية الإقليمية في إطار الهوية القومية، وللمصلحة الاقتصادية الضيقة في إطار تكامل شامل، لا ينقذ الأمة إلا هو. وحين تصل الثقافة إلى فرض مقولات جبهتها، باحترامها أولاً لتلك المقومات وسلامتها، وبعدم توزعها على الخلافية السياسية العربية، وتبنيها للعابر من المواقف والآراء، وللآني من الرؤى والتحركات والمصالح؛ حين تفعل ذلك تضعنا على بداية طريق الريادة والعمل المثمر، وتأخذ مكانة حقيقية بالدفاع عن الإنسان والحرية والعدالة، وعن الثقافة ومكانتها، وعن شخصية الأمة ومنزلتها، وإن تماسكاً في مثل هذه الظروف لهو أحوج ما نحتاج إليه، فهل نفعل شيئاً على طريقه؟ في وطن ترتكز فيه وحدة الثقافة على وحدة اللغة، وعلى تجذرها عميقاً في المعرفة الإنسانية والوعي والوجدان والتاريخ، وحملها لرصيد الذاكرة والخصوصية عبر العصور، وتتجذر فيه أيضاً التجزئة القطرية والنزعة الإقليمية وبعض الشعوبية والتبعية الثقافية، منذ قرون، وتواريخ أنظمة وسطوة سياسات، وطائفيات وأقليات، يصبح من الضرورة بمكان، بعد الذي صار والذي كان، أن نتوقف عند مصطلحات وتوجهات كنا نمر بها مرور الكاره المتجافي عنها، ونصدر عليها أحكاماً عارضة تبقى في حكم العابر من الأمور. تحديات متزايدة إن ما نقبل عليه من تحديات للثقافة العربية في هذا العصر يقتضي أن نتشبث، أكثر من أي وقت مضى، بما يؤكد هويتنا ووحدة توجهنا، وحرصنا على أن يكون أداء الفعل الثقافي المقاوم أداء متميزاً، في مرحلة لم يبق فيها إلا صوت الثقافة مؤهلاً للدفاع عن الثوابت المبدئية والقومية والأخلاقية، بعد أن اكتسح «الإمبريالي ـ الصهيوني» حدود السياسة العربية وأطاح بمحرماتها ومقدساتها وولاءاتها، وجعلها تركض في ركابهْ لاهثة وراء الاعتراف به، والإقبال عليه، وتطبيع العلاقات معه، وتقديم الخدمات له. مصطلح «الثقافة الوطنية» من تلك المصطلحات التي تحمل تاريخاً، وتقوم على أساسه تقويمات «نقدية» هي أقرب إلى التصنيف السياسي منها إلى النقد الأدبي والموضوعية في التعامل مع الإبداع والفكر والمعطى الثقافي في إطار خصوصيته وانتمائه لأمة ولمقومات ولقيم وثوابت. وقبل عهد المراجعة الشاملة الذي حل في أرض البشر بعوامل شتى ولأسباب شتى، كان المتمسكون بذلك المصطلح يرون أن من حقهم فرز الناس على طبلية «ليكونوا قمحاً وزؤاناً»: منا، أو أعداء لنا ، فمن كان منا فهو وطني ومِن جسد الثقافة الوطنية ، ومن كان ليس منا ولا معنا فهو عدو لنا وليس وطنياً ولا توجد أنصاف حلول أو ظلال وأشباه ظلال ولا توجد ألوان عدا الأسود والأبيض، وكانت الخيول الجامحة تسحق بحوافرها كل الأزهار والنباتات الغضة واليانعة، لأنها كانت تطلق بهدف تحقيق ذلك، ومن عجب أن يلتقي هذا القول القديم مع قول الرئيس بوش: من هو ليس معنا فهو ضدنا . وكان مصطلح «الثقافة القومية» يحارب حتى في دار القوميين ذاتها، وفي مرتكزات وجودهم ومنابر التعبير لديهم، ويُعد «شوفينية» تجرّم، وذهبت عمليات غسل الدماغ إلى الحد الذي وصل فيه مسئولون عن الثقافة القومية إلى حدود تبنيّ مفاهيم ومعايير المصطلح الآخر وتطبيقه على زملائهم ورفاقهم مع إبقاء « الكلمة ـ الشعار» دريئة معلقة في فضاء الكلام والحكم. الثقافة القومية: شوفينية، والثقافة الوطنية أوسع منها وأكثر دقة وإنسانية عندما ما تسمع هذا الكلام في هذا الوقت تنظر وراءك وأمامك غير مصدق لما يجري، وتتساءل ألم تحقق كل تلك النكبات والكوارث والمتغيرات ولو معطى واحداً يدخل إلى ساحة الحكم ليبرر إعادة النظر في القضية والأحكام المبرمة التي صدرت من «القضاة» المعصومين! أم أن العصمة ما زالت تجرجرنا على الشوك، ونعتبره حريراً بدافع من الصبر والشجاعة والثبات على المواقف حتى لو كان من تلك المواقف، ما ثبت فيه الخطأ المميت ويستدعي المراجعة والمعالجة؟ المنح والمنع في الوطن العربي، حيث تسود الثقافة العربية في جسم اللغة، الذي يظلل الجغرافية والتاريخ منذ قرون عديدة، في هذا الوطن مصطلح «الثقافة الوطنية» يتعارض تعارضاً جذرياً مع الواقع الحي للثقافة العربية الواحدة، ومع التطلع القومي ـ الوحدوي، ومع النضال التحرري الذي نخوضه ضد أشكال التبعية والغزو الثقافي، ومع الفهم الصحيح والتطبيق السليم للوطنية ومقوماتها ومعاييرها وللهوية ومقوماتها أيضاً. وهو مصطلح يرتبط بإيديولوجيا وتوجيه سياسي وينبع منهما، وهو بالتالي مقولة سياسية تستند إلى حكم وموقف مسبقين وتتعارض مع حقيقة ثقافية، فضلاً عن تعارضها مع توجهات شعبية عارمة تملأ الشارع في كل أقطار الوطن العربي، حيث السياسات والأنظمة تريد أوطاناً ولا تريد وطناً، وتريد قطعاناً «وشلايا» ولا تريد أمة وشعباً موحد النسيج والأهداف والمصالح والسياسات، له وعي وموقف يفرضهما. وعندما ندقق في مفهوم المصطلح «ثقافة وطنية» وأبعاده وتفسيراته، ورؤية بعض أهله له على أنه «يحتوي الثقافة القومية» ندرك أن «الثقافة الوطنية» حسب ذلك المفهوم تؤسس للاعتراف بثقافات قومية داخل القطر الواحد، وبتوجهات سياسية نحو ما يسمى بحق تقرير المصير للأقليات العرقية والطائفية، أي أنها تعمل على تعدد اللغات والثقافات «القومية» والنزعات الإقليمية داخل البلد العربي الواحد، وتجمع هذا تحت غطاء «الوطنية» أو ستارها، ليتم «تعايش» بين «الثقافات القومية» تحت سقف «المواطنة والوطن» وهذا يخفي توجهاً تقسيمياً لا يلبث أن يعلن عن ذاته عند اللزوم، وتوجهاً شعوبياً ضد اللغة والثقافة العربيتين، وضد القومية العربية التي نراها حلم الجماهير وتطلعها في الوطن الكبير. وإضافة إلى ذلك فإن المصطلح ينطوي على حكم سياسي أخلاقي، تجريمي أحياناً، لاسيما حين يصنف الإنتاج الثقافي والإبداعي والمنتجين انطلاقاً من مسطرته الخاصة «السياسية ـ الفكرية ـ النقدية» إلى «وطني» و«غير وطني». الوطنية بمفهومها القانوني والسياسي والاجتماعي والأخلاقي، تصبح عند ذلك عرضة للمنح والمنع من قبل شريحة تأخذ بيدها، وفي آن معاً، المعايير والأحكام والقضاء والوجدان الجمعي، وتمارس ممارساتها تلك ضد الآخرين اعتقاداً منها أنها على حق، وأنها تخوض نضالاً شريفاً و«وطنياً» ضدهم، وأنها معصومة بقوة «سحرية» لا يدرك أحد مداها. وبعيداً عن الدخول في تفاصيل ذلك وأسبابه وما أدى إليه من خلل خطير جداً جداً في الحياة الثقافية بشكل شامل، فإن هذا النوع من الفعل لا يبني من جهة، ولا يقوم على قاعدة أخلاقية واجتماعية وقانونية أدبية ـ فنية ـ فكرية سليمة من جهة أخرى، كما أنه لا ينبع من أرضية ثقافية وتاريخية صحيحة، تتصل بجغرافيا الوطن وتاريخه وسلامة الانتماء إليه والإخلاص له. من الصعب القبول بحكم «غير وطني» على مثقف أو مبدع أو مفكر لمجرد أنه يخالفك الرأي والاعتقاد والتوجه والإيديولوجيا، وينطلق من اجتهاد مغاير، في الوقت الذي يشاركك فيه المواطنة وواجباتها، ويدفع دمه عند اللزوم دفاعاً عن الوطن، وقد يكون أقرب منك إلى مفاهيم المواطنة الحقة ومعاييرها، وربما يحتاج هذا إلى متابعة. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب