مع مشرق كل يوم تزداد الشكوك في أن القصف الجوي المتصل على أفغانستان سوف يؤدي الى تحقيق الهدفين الكبيرين للحرب الأمريكية او أحدهما: القضاء على تنظيم «القاعدة» وأسر قائدها اسامة بن لادن من ناحية، وتصفية نظام طالبان الحاكم من ناحية أخرى. اما النتيجة الوحيدة التي لا شك فيها فهي تعاظم اعداد الضحايا من المدنيين من قتلى ومشردين، مع توالي سقوط الصواريخ والقنابل على مناطق سكنية. هذا ما يقول به التاريخ القريب اذا استذكرنا ان الحرب الامريكية ضد فيتنام التي بدأت في منتصف ستينيات القرن الماضي اقرب مثال للمشهد المتحرك الحالي في افغانستان. هكذا تفيدنا المراجع التاريخية الوثائقية التي وضعها شهود عيان غربيون. من هؤلاء الشهود الصحفي التلفزيوني الكندي مايكل ماكلير الذي قضى في مسارح المعارك الفيتنامية 13 عاما، أصدر بعدها كتابه المرجعي «حرب العشرة آلاف يوم». ومن أبرز ملاحظات ماكلير المخيفة التي تزداد ارعابا اذا اسقطناها على المشهد الافغاني الراهن، ان رئيسين امريكيين تسلم احدهما زمام السلطة من سلفه، وهما ليندون جونسون وريتشارد نيكسون، اقتنع كل منهما منذ المراحل الاولى للحرب الامريكية ان اسلوب القصف الجوي المكثف لن يحقق النتائج السياسية المرجوة، ومع ذلك أمر كل من الرئيسين بمواصلة الحرب الجوية. ولأن كلا من جونسون ونيكسون لم يرد ان ينسب اليه عار انسحاب القوة العظمى من الحرب، فإنهما اضطرا الى تبني اسلوب الخداع الاعلامي عن طريق التعتيم او تخويف الحقائق.ولأن الادارة الامريكية باتت على هذا الأساس أسيرة خداع النفس، فإن الحرب الجوية ضد فيتنام الشمالية استمرت لسنين عبثية دون تحقيق نتيجة سوى تدمير المناطق السكنية وقتل المدنيين بالجملة وتشريد الملايين. وفي هذا يقول ماكلير في كتابه ان خمس مدن في فيتنام الشمالية سويت بالأرض، عدا عشرات القرى، رغم ان المتحدثين باسم وزارة الدفاع الأمريكية ظلوا طوال هذا الوقت يقولون للشعب الأمريكي في تصريحاتهم الصحفية ومقابلاتهم التلفزيونية ان عمليات القصف مقصورة على أهداف عسكرية.الآن وبعد 35 عاما من بداية الحرب الامريكية ضد فيتنام يتكرر المشهد في أفغانستان، ولكن هناك متغيرا يحد من حرية الحركة التي كانت تتمتع بها الادارة الامريكية في عهدي جونسون ونيكسون. فاليوم، مع عصر العولمة المعلوماتية والنقل التلفزيوني الحي عن طريق البث بالأقمار الصناعية حول العالم وتنافس الفضائيات العالمية والتقلص النسبي للهيمنة الاعلامية الامريكية، ليس بوسع جورج بوش ان يعتمد على اسلوب الكذب المنظم كما كان متاحا لسلفيه في عقد الستينيات. ماذا نتوقع إذن؟ بسبب التعتيم الاعلامي الجزئي في الحالة الفيتنامية، لم تكتمل اسباب الفوران الشعبي في الشارع الامريكي ضد الحرب إلا بعد مرور ثلاث أو اربع سنوات على اندلاعها. لكن الآن، وحتى قبل اكتمال شهر على بداية الحرب في افغانستان، بدأت اصوات الاحتجاج ترتفع في أوروبا مع توالي النقل التلفزيوني اليومي لعبثية العمليات الجوية مع انتشار الدمار في القرى الافغانية وتصاعد اعداد الضحايا المدنيين وتضاعف أعداد اللاجئين. إذن يجب ان نتوقع تغييرا ما في مسار الحرب في وقت قريب. والخيار الوحيد المتاح لإدارة بوش ـ الهجوم البري ضد قوات طالبان ـ هو أبغض الخيارات اليها، لما ينطوي من مخاطرة جسيمة بأرواح الجنود الأمريكيين في المجاهل الجبلية الأفغانية. وينعكس تخوف الادارة الامريكية من هذ الخيار في اتجاهها نحو المراهنة على قوات المعارضة الشمالية لتتولى عملية القتال البري. لكن المشكلة ان قيادات المعارضة الشمالية تسترشد بأجندة سياسية روسية وليست اجندة أمريكية. وصفوة القول ان الولايات المتحدة متورطة في مأزق عسكري ـ سياسي. وهي في الوقت نفسه في سباق مع الزمن.. ذلك انه يتعين على ادارة بوش ان تحسم أمرها في اتجاه أو آخر، قبل ان ترتفع اصوات الاحتجاج بين قطاعات الشعب الأمريكي نفسه. ولننتظر لنرى.