حينما اقر وزير الدفاع البريطاني جيف هون في السابع والعشرين من اكتوبر الماضي بان الحملة العسكرية على افغانستان ستكون طويلة وصعبة، وان مدتها سوف تتراوح بين ثلاثة اشهر الى اربع سنوات، انما كان ذهنه متعلقا دون شك بالحملات العسكرية البريطانية السابقة على افغانستان والتي كلفت البريطانيين الكثير وتراوحت كل واحدة منها بين عامين وثلاثة اعوام. ومن المؤكد ان الجنود البريطانيين الذين يعرفون التاريخ العسكري جيدا لبلادهم والذين يشاركون في الحملة القائمة، ينتابهم دون شك شعور من الاضطراب مثل وزير دفاعهم الذي قدر الحملة بين ثلاثة اشهر واربع سنوات، وهذا يدل على عقلية عسكرية مشوشة لان الفارق كبير للغاية بين المدتين. فبريطانيا التي كانت امبراطورية عظمى خلال القرنين الماضيين قبل ان ترثها الولايات المتحدة في اعقاب الحرب العالمية الثانية، قامت بثلاث حملات عسكرية كبيرة على افغانستان، الاولى كانت في الفترة بين عامي 1839 ـ 1842 حيث تمكن جيش بريطاني مكون من عشرين الف جندي يرافقهم نحو ثمانية وثلاثين الف مدني من دخول العاصمة كابول بعد الاطاحة بالملك دوست محمد، حيث نصب البريطانيون مكانه الملك شاه شوجا الذي كان قد اطيح به قبل سنوات قليلة. وبعد عودة قسم من القوات البريطانية الى المقر الشرقي للامبراطورية في الهند اعتقادا منهم بان الامور قد استقرت لهم، بدأ الافغان يوحدون صفوفهم من جديد لمواجهة القوات البريطانية الغازية وعزل الملك الذي جاء على حراب الانجليز، وبالفعل قامت ثورة عارمة تمكن خلالها الافغان من ابادة ثلاثة عشر الفا من قوات الجيش البريطاني فيما تمكن اربعة الاف من الفرار، لكن البرد القارس كان لهم بالمرصاد فحصدهم حصدا، ولم يتمكن من النجاة من كل الحملة البريطانية التي كانت في افغانستان في ذلك الوقت سوى طبيب الحملة، وبلغ عدد القتلى البريطانيين عشرين الف قتيل يشكلون اكبر مقبرة للغزاة في افغانستان. وقد قام البريطانيون بعد ذلك بحملتين عسكريتين على افغانستان، الاولى كانت بين عامي ( 1879 الى 1881) وانتهت بفشل ذريع ايضا للبريطانيين، والثانية كانت بين عامي ( 1919 و 1921) وانتهت باستقلال البلاد، واضافت كلتا الحربين اعدادا اضافية الى المقبرة الاولى، لذا فان البريطانيين الذين تورطوا الى جوار الامريكيين في هذه الحرب الجديدة، يتحركون وعيونهم على المقبرة الكبرى لاجدادهم في هذه البلاد، وهذا مادفع رئيس اركان هيئة الجيوش البريطانية السير مايكل بويس الى ان يعلن في نهاية اكتوبر الماضي بأن التدخل في افغانستان يشكل اكبر تحد بالنسبة لبريطانيا منذ حرب الكوريتين خلال الخمسينيات. لكن الامر لم يتوقف عند حد المقبرة البريطانية الكبرى والتي تضم اكثر من عشرين الفا من جنود الامبراطورية، فهناك مقبرة ثانية كبيرة لغزاة آخرين هم السوفييت، الذين تدخلوا عسكريا في افغانستان لدعم الحكومة الشيوعية بها في 27 ديسمبر عام 1979، حيث تحركت قوات سوفييتية يقدر قوامها بحوالي مئة وعشرين الف جندي، تجاه افغانستان ودخلت في حرب طاحنة مع الشعب الافغاني استمرت حوالي عشر سنوات، حيث اتخذ السوفييت قرار خروجهم من افغانستان في فبراير عام تسعة وثمانين، بعدما تكبدوا خسائر بشرية تقدر بحوالي تسعة عشر الف جندي، اي ان مقبرتهم كانت قريبة في حجمها من حجم المقبرة البريطانية ، ويبدو ان الغزو السوفييتي لافغانستان كان بمثابة المسمار الاخير في عرش الامبراطورية التي تفككت وانهارت في اعقاب ذلك. ومنذ بدأ الامريكيون حملتهم العسكرية والجنرالات الروس الذين شاركوا في الحرب ضد افغانستان يحذرون الامريكيين من مغبة التورط في حرب برية، كما اجمعوا على ان الولايات المتحدة لن تستطيع ان تحقق اهدافها في افغانستان، فقد حذر الجنرال الروسي بوريس جروموف القائد السابق للقوات السوفييتية في افغانستان الامريكيين من عواقب الحرب البرية، كما ان المارشال فالنتين فارينكوف الذي قاد عملية ادخال القوات السوفييتية الى افغانستان قال ان اقصى ما يمكن ان يفعله الامريكيون هو ان يقوموا بعمليات انزال مظلي لمدد قصيرة في اماكن آمنة، اما الفريق اول ليونيد ايفانشوف المسئول السابق عن العلاقات الخارجية في وزارة الدفاع السوفييتية، فقد استبعد اي احتمال لسيطرة الامريكيين او حتى قوات التحالف الشمالي على افغانستان. ان هناك تجربتين مريرتين لقوتين عظميين سابقتين، وهناك مقبرتان كبيرتان تضمان رفات مايقرب من اربعين الف جندي بريطاني وروسي، والمراقبون جميعا الذين يتابعون المعركة، يؤكدون على انه سوف تكون هناك مقبرة ثالثة. ـ كاتب واعلامي مصري