ليس دفاعاً عن «الجزيرة».. فقد فرضت القناة نفسها وأصبحت ملء سمع العالم وبصره شئنا أم أبينا أو شاءت المحطات الفضائية الأخرى أم أبت باعتبارها المتضررة من ذلك، ولم يعد الأمر متعلقاً باتخاذ موقف ضد هذه القناة أو معها.. ولكن الأمر يتعلق بالموقف الذي اتخذته وتتخذه الهيئات والمؤسسات الغربية من قناة عربية ـ بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا معها ـ حطمت اسطورة احتكار وسائل إعلامهم للتغطيات الخبرية، وانطلقت الى آفاق العالمية في تغطيتها للحرب غير المتكافئة التي تدور رحاها هذه الأيام ويتابع العالم أخبارها بانتظار النهاية التي ستؤول اليها. منذ عشرة أيام مَثُل مسئولان من قناة الجزيرة أمام المجلس الأعلى للاعلام السمعي والبصري في فرنسا الذي أبدى قلقه من احتمال انحراف القناة في تغطيتها للنزاع في أفغانستان. وقد أكد أحد أعضاء المجلس التسعة مثول مراسل الجزيرة في باريس ومدير التسويق في لندن أمام مجموعة عمل لهيئة مراقبة الاعلام السمعي والبصري في فرنسا بعد ان تلقى إنذاراً من نظيره البريطاني «انديبندت تليفيجن كوميشن» عن طريق السفارة البريطانية في باريس، فضلاً عن موضوع بث في إطار برنامج «صورة وتعليق» منتصف الشهر الماضي على القناة الفرنسية الخامسة، انتقد مداخلة لمقدم برنامج «الاتجاه المعاكس» فيصل القاسم الذي تبنى شائعات تقول إن أيا من اليهود الذين يعملون في مركز التجارة العالمي ويبلغ عددهم اربعة الاف لم يتوجه الى المركز يوم الحادي عشر من سبتمبر، ملمحاً بذلك إلى أن أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية تقف وراء الاعتداءات. ويفسر اهتمام بريطانيا بهذه المسألة ان القناة قد تمكنت من أن تفرض نفسها في جميع دول الاتحاد الاوروبي بموجب تعميم من منظمة تلفزيون بلا حدود بعد أن كان المجلس الأعلى للإعلام السمعي والبصري في فرنسا أول هيئة مراقبة تعطي اذناً للجزيرة في أوروبا. مصادر مقربة من هذا الملف اوضحت ان المجلس طلب من قناة الجزيرة التي ابرمت عقداً معه للبث على مجموعة الأقمار الصناعية الفرنسية «تي بي إس» ان تحرص على ذكر وثائق الأرشيف بدقة. وقد كان من نتائج ذلك ابعاد فيصل القاسم عن شاشة قناة الجزيرة فترة امتدت لأربعة أسابيع كما قالت المصادر. جلسة الاستماع التي عقدت لمسئولي الجزيرة سيتم التطرق اليها أثناء انعقاد الجمعية العامة للمجلس الأعلى السمعي والبصري التي ستبت في ضرورة توجيه رسالة الى قناة الجزيرة او غض النظر عن ذلك. وسواء اتفقنا مع النهج الذي اختطته الجزيرة لنفسها أم لم نتفق فإن هذا الموقف يطرح سؤالاً مهماً عن الحرية التي طالما دعا اليها الغرب ومنظماته عندما كانت النيران تشتعل هنا وهناك بعيداً عن حدوده غير مهددة سلامة مواطنيه وأمنهم الاجتماعي، حتى إذا ما اكتوت أصابعه بها والتهمت الذراع كلها لتصل الى منطقة القلب منه وضع لها حدوداً وأعد لها قيوداً وأصدر القوانين التي كانت ذات يوم سبة في جبين الدول المتخلفة ذات الأنظمة الديكتاتورية البغيضة كما كان يطلق عليها. وبعيداً عن هذه القوانين التي يطول الحديث عنها نظل في دائرة الاعلام التي ظهرت في محيطها تعليمات من البيت الأبيض كانت بطلتها مستشارة الأمن القومي كوندوليزاراليس التي طلبت من أجهزة الاعلام الأمريكية ممارسة نوع من الرقابة هو أقرب الى أسلوب الحذف والانتقاء في تغطيتها لأخبار الحرب التي تشنها على أفغانستان، وهو أسوأ أنواع الرقابة التي تقوم بها أجهزة الاعلام وأشد أنواع التضليل حيث تظهر نصف الحقيقة مرتدية قناع الحياد وهي أشد ما تكون تحيزاً عندما تختار للقاريء والمستمع والمشاهد ما تريد ان يعرفه وتخفي عنه الوجه القبيح لهذه الحرب غير المتكافئة ليخرج علينا وزير الدفاع الامريكي بعد هذا كله متهماً افغانستان باستخدام المدنيين والاطفال دروعاً بشرية، والكذب بشأن عدد الضحايا المدنيين من جراء الغارات الامريكية، واستخدام المساجد والمدارس والمستشفيات كمراكز قيادة ومستودعات للذخيرة، قائلاً ان المضادات الأرضية الافغانية قد تكون هي التي قتلت المدنيين، داعياً قناة الجزيرة الى عدم الانسياق وراء هذه المبالغات الدعائية. وهكذا يصبح مطلوباً منا ان نكذب ما نشاهده بأعيننا على شاشات التلفزيون من جثث الاطفال والنساء وركام البيوت والمساجد المهدمة وان نصدق ان الافغان يضعون اطفالهم ونساءهم وبيوتهم ومساجدهم في طريق الطائرات والصواريخ ليستعدوا العالم على اكبر دولة فيه ويحرجوها امام الدول الاخرى وشعوبها. نقول ذلك رغم عدم اتفاقنا مع حركة طالبان وسياستها وطريقة ادارتها للأزمة. الشاهد في هذه الرواية التي لم تعد مسلية هو تلك الوصاية التي يراد لها ان تفرض علينا من قبل اولئك الذين يعتقدون اننا لم نبلغ بعد سن الرشد، عاملين في اجهزة الإعلام ومستقبلين للرسائل الاعلامية التي تتدفق علينا ليل نهار من الزوايا الاربع حاملة معها الروائح الطيبة والخبيثة. في مقابلة استضافت فيها مذيعة السي إن إن الشهيرة كريستيان امان بور مدير مكتب الجزيرة في لندن «يسري فودة» ارادت رئيسة قسم المراسلين في المحطة الامريكية إحراج ضيفها فصاغت سؤالها على النحو التالي: «ألا تعتقد ان وجودكم منفردين في كابول يجعل اصابع الاتهام تتوجه اليكم بالعمالة لنظام طالبان والتعاطف معه بدليل موافقته على بقائكم دون غيركم؟ وقد جاء الرد ذكياً ومفحماً وكانت بديهة مقدم البرنامج المثير «سري للغاية» حاضرة الى الدرجة التي لم تجد معها المذيعة الشهيرة ما تعلق به عندما قال: «هذا يعني ان محطتكم كانت عميلة للرئيس العراقي صدام حسين عندما سمح لكم وحدكم دون غيركم بالبقاء في بغداد وبث رسائلكم منها اثناء احتلاله للكويت في الوقت الذي لم تمنح فيه اجهزة الاعلام الأخرى هذه الفرصة». وهكذا.. وكما صنعت السي إن إن مجدها في بداية التسعينيات عندما اصبحت العين الوحيدة التي نرى بواسطتها ما كان يحدث في بغداد، ها هي الجزيرة تصنع اليوم مجدها بعد ان أُخليت الساحة لمراسليها في الاجزاء التي تسيطر عليها طالبان في افغانستان وهي الأكبر.. فإلى اي مدى استطاع اولئك المراسلون ان يمارسوا إعلاماً صحيحاً محايداً بعيداً عن التأثر والتأثير وكم حققوا من نجاح في ذلك او اخفقوا؟ ذلك سؤال ربما لم يحن وقت الاجابة عنه بعد. وحتى يحين ذلك الوقت لا نجد ما نقوله سوى ان الجزيرة تعيش ازهى أيامها رغم مرارة الأيام التي يعيشها العالم اجمع.. ولا عزاء لبقية المحطات الفضائية الاخرى التي تلهث خلفها.