(من لا يعمل لا يخطيء) هذه مقولة سائدة، تعني ان الممارسة اليومية للسلطة والصلاحيات وتنفيذ اجراءات العمل توقع الجميع في أخطاء وقد تقود احياناً الى تجاوزات كبيرة جدا، ولا يستطيع احد منا ان ينكر ان هذه الاخطاء والتجاوزات قد تحدث احياناً نتيجة للجهل وقلة الخبرة وحسن النية والاهمال. ولكنها تحدث ايضا بشكل مقصود ومتعمد، ونتيجة رغبة المخطيء في استغلال مركزه بأي شكل كان هذا الاستغلال. كل ما جاء سابقا معروف للجميع، ولكن السؤال المحير هو لماذا يشيع الخطأ وتنعدم ـ أحيانا ـ آليات اصلاحه أو ردعه أو مواجهته؟ لماذا نخطيء جهارا عيانا ونصلح اخطاءنا ونواجهها بشكل سري، مع ان العكس هو ما يجب ان يحدث؟ ولماذا نتباطأ في التصدي للخطأ والتجاوز مع اننا نراه ونتابعه ونعرف تفاصيله وملامح مرتكبيه؟ وهل ستتحول الصحافة عندنا الى سلطة يحق لها محاكمة الخطأ والحكم عليه ومعاقبته ايضاً؟ ان هذا الذي نقرأه عن ذلك الطبيب الذي فعل كذا والمدرس الذي أخطأ في كذا والمسئول الذي استغل منصبه ومدير المخازن الذي اختلس، وأحد كبار الموظفين في احدى الوزارات الذي تقاضى مبالغ ضخمة نظير «اتعابه» في مشروع معين للوزارة و.. الخ. هذه التجاوزات تحتاج الى رقابة ومتابعة وموقف حاسم منذ البداية، وقبل ان يستفحل الخطأ. ولكننا تعودنا ونحن نؤسس لهذا المجتمع منذ بداياته ان تأخذنا الحماسة الى أبعد مما يجب، ان يسيطر علينا طموح الراغب في تجاوز عقبات الماضي وتعويض ما فات الى درجة اننا سمحنا لأنفسنا باجتياز طريق خطير (طريق التنمية والتأسيس) بسرعة خارقة ندفع فواتيرها حاليا وبشكل قاس. هذا ما حدث في الكثير من محاور ومفاصل الحياة التعليمية والعمرانية والسكانية والاقتصادية والاجتماعية، وها نحن اليوم ندفع فواتير مخالفات تعليمية باهظة، تعليم بمستوى اقل ومخرجات تعليم لا تفي بمتطلبات سوق العمل، التعليم العالي اصبح سوقا يحق لكل تاجر وراغب في الثراء ان يدخله حتى تحول الى مزاد علني على التعليم، البنية السكانية تعاني من ازمات واضحة، اما الخدمات الصحية فتطالها شكاوى الناس يوميا و.. الخ، بمعنى آخر لدينا كل شيء وبوفرة لكن لا يتناسب اداء هذه الوفرة مع الطموح الذي ركضنا لاجله على امتداد ثلاثة اجيال .. إذن فمن حقنا ونحن نسعى لواقع اعلامي مغاير، ان نسأل: أيهما يجب ان يحدث أولا أن نؤسس لقواعد اعلامية سليمة أم ان نرفع سقف الحرية؟ Aisha@albayan.co.ae