بينما كان رئيس الحكومة البريطانية توني بلير يتهيأ لجولته الشرق أوسطية الاسبوع الماضي كانت قوات ارييل شارون منهمكة في مواصلة اغتيال عناصر قيادية في فصائل المقاومة الشعبية الفلسطينية. ومع ذلك لم يجد رئيس الوزراء البريطاني غضاضة لدى وصوله الى دمشق ـ أولى محطات جولته ـ في أن يطلب من الرئيس بشار الاسد كبح المنظمات الفلسطينية المعارضة لاتفاق اوسلو. ولكن هل توني بلير جدير باللوم حقا أم ان التخاذل العربي هو الذي يغري قادة الغرب بأن يطلبوا من العرب ما لا يطالبون به الاسرائيليين؟ لنستذكر اولا ان جولة بلير لم تكن متعلقة بقضية الصراع العربي الاسرائيلي بقدر ما كانت متعلقة بأمر «التحالف الدولي لمكافحة الارهاب» الذي تقوده الولايات المتحدة ومعها بريطانيا. بما ان بلير يتولى دور تنظيم الحشد الدبلوماسي للتحالف فإن الغرض من الجولة هو تحقيق دفعة جديدة للتحالف بعد ان ظهرت بوادر وهن على نسيجه. ومشكلة العرب هي ان مسلك قادتهم في مثل هذه الأحوال يعطي انطباعا لقادة الغرب بأن التأييد العربي مفروغ منه ومسلم به على كل حال.. مما يغري توني بلير بأن مبدأ التعامل الدولي في «الاخذ والعطاء» لا ينطبق على العالم العربي. ولاستبيان هذا الوضع بوسعنا ان ننظر في المثال الروسي. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يتجاوب مع الطلب الغربي لانضمام روسيا الى التحالف الدولي الا بعد ان عرض شروطا اضطر الطرف الآخر لقبولها. لقد طلب بوتين أولا ان يغير الغرب سياسته تجاه الوضع في الشيشان فقد ظلت دول الغرب تؤيد حركة الثورة المسلحة الشيشانية لتحقيق مطلبها الاستراتيجي بالانفصال عن الاتحاد الروسي واعلان دولة مستقلة. وهذا التأييد الغربي ينطلق من سياسة ثابتة ترمي الى تفكيك روسيا أو على الأقل اضعافها حتى تبقى مرتهنة الى الابتزاز السياسي الغربي. ورأينا الآن كيف انقلب الموقف الغربي الى ادانة صريحة للحركة الانفصالية الشيشانية مما سوف يدعم جهود القوات الروسية في كسر شوكة الحركة. ورأينا ايضا كيف أوعزت حكومات الغرب الى مؤسساتها المالية، كاستجابة لشرط روسي، لتخفيف الضغط على الاقتصاد الوطني الروسي بتقليص الديون الخارجية من ناحية واطلاق القروض الاستثمارية من ناحية اخرى. لقد كان العرب على ذات المنوال في موقف تفاوضي جديد لفرض شروط مقابل الموافقة على دخول التحالف الدولي أو تأييده. كان متاحا لهم ـ لو تمكنوا من بلورة ارادة ـ جماعية، حمل الغرب على تصفية الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين والجولان ولبنان وفقا لقرارات الأمم المتحدة. ولو فعلوا ذلك لما أتوا بدعة. فمبدأ تبادل المصالح على أساس التكافؤ هو القاعدة الاساسية التي تسود معاملات الساحة الدولية اليوم وغدا والى ان يرث الله الارض ومن عليها. فالتعامل الدولي طريق لاتجاهين. الآن وبعد ما يقارب الشهر من تدخل عسكري امريكي في افغانستان يبدو ان حساباته اختلت، تلوح نذر في الافق بأن تماسك التحالف الدولي مهدد بانفراط. وفي مقدمة المؤشرات الآخذة في التبلور هبوط التأييد الشعبي للحرب في أوساط شعوب دول الاتحاد الأوروبي الاعضاء في التحالف وفق ما عكسته استطلاعات للرأي نشرت نتائجها الاسبوع الماضي.هذا المؤشر الخطير هو الذي فيما يبدو دفع برئيس الحكومة البريطانية، بايعاز امريكي دون شك الى شد الرحال الى عواصم عربية لمحاولة الفوز بمزيد من الدعم العربي للتحالف.ومرة اخرى يجود التاريخ بفرصة للعرب. فقد أصبح متاحا مرة اخرى لهم فرض شروط حازمة حتى لا ينال توني بلير ما اراد الا بدفع الثمن. ولن يكون هذا ابتزازا. انه ببساطة تطبيق لقاعدة «الاخذ والعطاء» المعتمدة شرعيا كمبدأ أساسي للتعامل العالمي.