عاش رحبعام زئيفي الذي اغتالته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مؤخرا يحلم بتكرار هذا اليوم بالحرب أو بدونها. عاش زئيفي صاحب نظرية الترانسفير الإرادي يحلم بتكرار ماجرى بعد عدوان 1967 وقتها وقفت باصات إسرائيلية في حالة تأهب بميادين مدن الضفة وغزة حملت حوائطها ثلاث كلمات تقول إلى عمان مجانا، وحملت ربع مليون فلسطيني إلى الأردن .. بلا عودة. والآن تدعو أصوات إسرائيلية إلى تكرار الجريمة .. ولكن على نطاق أوسع، مطلوب نقل أكثر من مليوني فلسطيني من الأرض المحتلة إلى الأردن، المتعصبون ـ أمثال رحبعام زئيفي ومئير كاهانا وجيئولا كوهين طالبوا بأن يتم ذلك فورا. والبراغماتيون في دوائر الحكم يطلبون التأجيل حتى الحل النهائي أو الحرب المقبلة التي تحقق الخيار الأردني! الترانسفير هو الاسم الكودي لجريمة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وفي استفتاء أخير ثبت ان 52 بالمئة من الاسرائيليين يؤيدون الترانسفير ... أي النقل يقول شلومو جازيت مدير المخابرات العسكرية الاسرائيلية الاسبق: إن زيادة التأييد والحماس للترانسفير هي نتيجة أمرين مهمين لهما تأثير على الرأي العام والشخصيات السياسية أيضا الأول: البروز الواضح لخطر المشكلة الديموغرافية العربية اليهودية الثاني: صحوة مواطني الأرض المحتلة وانتفاضتهم على وهم امكانية التعايش تحت ظل حكم الأجنبي. وقد نضيف الى ماقاله جازيت سببا ثالثا: انه سيل هجرة اليهود المقبلة من موسكو، وهي بمثابة انعكاس واحياء لأوهام الصهيونية وأساطيرها عن اسرائيل الكبرى التي تتسع لليهود فقط. إن تاريخ الصهيونية هو نفسه تاريخ الترانسفير، وعلى حد قول رحبعام زئيفي إن الصهيونية الحقيقية ليست أكثر من تاريخ القرن من الطرد والمحاولات التي لا تنتهي لابعاد العرب عن البلاد ، والترانسفير فكرة ذات جذور عميقة في التاريخ والتراث اليهودي كما يقول المنشق الإسرائيلي المشهور اسرائيل شاحاك، وكان بن جوريون مؤسس الكيان الصهيوني من أشد المؤمنين بتنفيذ الترانسفير .. ولكن بالتدريج، وكان يضع تحت زجاج مكتبه سطورا من التوراة المحرفة تقول لا ... أطردهم من أمامك في سنة واحدة لئلا تصير الأرض خربة، فتكثر عليك وحوش البرية، قليلا قليلا، أطردهم من أمامك الى أن تثمر وتملك الأرض. التوحد بالنازية لن يكون ممكنا فهم ارتباط الصهيونية بالترانسفير، لو تصورنا أن الصهيونية مجرد حركة امبرالية أو حركة تخدم الامبريالية العالمية، فالأخيرة تهتم باستنزاف ثروات سكان المستعمرات واستعبادهم، لكنها لا تستأصلهم، أما الصهيونية فالأصل لديها هو استئصال الاغيار الجوييم انها نوع من النازية الموجهة الى غير اليهود، والتي تستند الى أوهام عن التفوق العرقي ووعود الخلاص الماشيحانية. كانت الصهيونية حليفة النازيين، وهمزة الوصل بينهما هي الايمان المطلق بـ الترانسفير ويذكر انه كان لدى الحزب النازي مخطط عن الحل النهائي للمسألة اليهودية أطلق عليه اسم الترانسفير وبعد تسلم النازيين للسلطة عام 1933 نفذت حملات ترانسفير ليهود بولندا، والمجر وتدخلت الحركة الصهيونية بإتفاقية العهفرا المشهورة لنقل بضع يهود الترانسفير النازي الى فلسطين، لذلك كان الترانسفير النازي أكبر خدمة ساهمت في انشاء الدولة الصهيونية، والأرقام لها دلالاتها البليغة®. فقد تضاعف عدد الصهاينة في فلسطين بين سنتي 1914 ـ 1932 من 90000 إلى 180000 نسبة على مرأى ومسمع من الاحتلال البريطاني، وبعد وصول هتلر الى السلطة سنة 1933 ازدادت الأرقام بشكل مخيف فبلغت. 30000 يهودي عام 1933 ثم 42 ألف عام 1943 و62 ألف عام 1935 ووصل. 30000 يهودي عام 1936 حين بدأت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى 1936 ـ 1939 أي أن عدد اليهود في فلسطين تضاعف خلال 4 سنوات فقط وتلك احدى جرائم النازية. لم تقتصر علاقة الصهيونية بالنازية على الافادة غير المباشرة واتفاقات الظلام، بل أحضر الاسرائيليون النازية معهم من أوروبا الى فلسطين متمثلة في التعصب والتفرقة العنصرية والرعب والخضوع للقوة، كما قال هربرت موريسون زعيم مجلس العموم البريطاني سنة1946. ويقول د.رشاد عبدالله الشامي في كتابه الشخصية اليهودية الاسرائيلية والروح العدوانية: إن الانسان الاسرائيلي بل المجتمع الاسرائيلي اتخذ من النازية مثلا أعلى لهما، الأمر الذي يعطي له علم النفس التفسير المقبول اذا ما تعرض الفرد لعدوان لا قبل له بمواجهته، واصبحت الهزيمة خطرا يهدد اتزان النفس فكثيرا مايلجأ الى اتخاذ مصادر العدوان نماذج يقتدى بها ومثلا عليا يسير على هديها حفاظا على اتزان النفس ، انها نظرية التوحد بالمعتدى التي وحدت لا شعوريا بين النازية والصهيونية، وجعلت من الترانسفير بالنقل أو الابادة قاسما مشتركا. النازية الصهيونية ليست مجرد آفة لا شعورية، وليست سلوكا للمتطرفين وحدهم، انها تشمل أيضا من يسمون أنفسهم باليسار الصهيوني، ويؤثر عن بيرل كتسلتون ـ الملقب بـ ضمير الصهيونية العمالية والقائد الروحي لحزب العمل ـ قوله: كانت مسألة الترانسفير موضوع جدال بيننا هل هو مسموح أم ممنوع؟ ان ضميري مرتاح تماما فيما يخص هذه النقطة، والجار البعيد خير من العدو القريب، لن يخسروا ـ أي العرب ـ شيئا بهذا الترانسفير وبالتأكيد لن نخسر شيئا نحن أيضا من جرائه، ان هذا هو أفضل الحلول، انني لم أفكر قط في أنهم سينقلون فقط الى ضواحي نابلس، وانما فكرت دائما في أن المقدر لهم أن ينقلوا الى سوريا والعراق! التوراتية المحرفة كما وحدت فكرة الترانسفير النازية بين الحركة الصهيونية في مختلف أجنحتها، وجدت بينهم أيضا نصوص التوراة المحرفة ودعواتها الى ترانسفير الاغيار ... أي غير اليهود، ففي اسرائيل نحو 20 بالمئة من السكان يتبعون قوانين اليهودية الأرثوذكسية و 25 ـ 30 بالمئة من أنصاف المتدينين والسلفيين الذين ينظرون الى اليهودية كتراث تاريخي فقط، أما الباقون فهم علمانيون لا يعترفون باليهودية كدين أو تاريخ، لكن المتدينين وغير المتدينين يؤمنون جميعا بشئ واحد فقط، ان أرض اسرائيل لليهود وأن الله أمر بابادة أو على الأقل بنقل ترانسفير غير اليهود الى خارج أرض اسرائيل وأرض اسرائيل المقصودة ليست جغرافيا محددة، بل تختلف حولها مدارس الأقصويين و الادنويين وحسب مدرسة الأدنويين. تمتد اسرائيل بين وادي العريش في وسط سيناء جنوبا حتى نهر الأردن شرقا ، أما الأقصويون فهم يستندون الى مقولة التوراة من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات ، ويمدون جغرافية أرض اسرائيل لتشمل مصر كلها حتى نهر النيل بالاضافة الى فلسطين والأردن ولبنان وسوريا وأجزاء كبيرة من العراق، والطريف: أنهم يضيفون تركيا وقبرص وصقلية وسردينيا أيضا سكان كل تلك البلاد والجزر مطلوب نقلهم ـ طبقا للتوراة المحرفة أو ابادتهم ـ إن أمكن! ويكشف اسرائيل شاحاك ـ وهو يهودي ـ عن النازية الكامنة في نصوص التوراة المحرفة وفي التلمود، يقول: في الكتابات اليهودية المقدسة وصايا كثيرة بابادة غير اليهود على أرض اسرائيل وهناك مقاطع نادرة تخفف من فظاعة ابادة الجنس الكاملة، وتطرح فكرة الترانسفير .. فنحن نرى في مقطع مشهود من التلمود يشوع قبل دخوله الى فلسطين التي سيفتحها، يوجه انذارا الى السكان إما أن تخضعوا وتقبلوا بالعبودية وأما أن تصبحوا حطابين وسقائين كما حدث لأهل جبعون الاصحاح 9، الاسطر21: و22 و26 و27 ، و وإما أن تهاجروا بإرادتكم وفي التوراة ذاتها ورد ذكر الترانسفير في سفر الخروج الاصحاح 23 و27 و32 حيث وعده يهوه بايقاع الذعر وبإرسال الزنابير لطرد سكان أرض الميعاد أمام العبرانيين، وفي سفر التثنية تقرأ: متى أتى بك الرب إلهك الى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوب كثيرة من أمامك. ومما يدعم أقوال شاحاك: ان كثيرا من دعاة الترانسفير الصهاينة يعتبرونه نوعا من الخلاص الماشيحاني والماشيحانية ـ حسب تعريفها الديني ـ كلمة في العهد القديم ذات دلالة عامة تطور معناها، واصبح يشير الى ملك من نسل داود يجمع شتات المنفيين ويعود بهم الى صهيون، ويحطم اعداء اسرائيل ويتخذ أورشليم عاصمة له. والصهيونية لها ماشيحانيتها الخاصة التي تؤمن بالعنف والتكنولوجيا .. دونما انتظار للمبعوث الالهي! وقد جاءت الصهيونية الى فلسطين تحت شعاراتها الكاذبة عن العربي الغائب و أرض بلا شعب وشعب بلا أرض الخ ولما وجد المهاجرون اليهود الأوائل أن الأرض معمورة ومسكونة، وأن العربي ليس غائبا، كان عندئذ الحل الصهيوني: إن العربي لابد أن يغيب كما يقول المفكر العربي د. عبدالوهاب المسيري، وكان مبررات التغييب جاهزة فالعربي متخلف قياسا باليهودي المتفوق عنصريا، والعربي ممثل للأغيار الذين نصحت التوراة بإبادتهم أو تهجيرهم على الاقل، وهكذا اصبح الترانسفير اختصار لنازية الصهيونية و يهوديتها في الوقت نفسه. يحلو لكثير من الصهاينة نفي تهمة الترانسفير عن مخططهم النازي، ويعتبرون أن ما تم من عمليات تهجير للفلسطينيين، بعض من الآثار الجانبية لحرب 48 و67 لكن الوقائع التاريخية الثابتة تقول العكس: فقبل حرب 48 بسنوات، بدأت مخططات الترانسفير سنة 1941 حيث تم تكليف يوس فايتس مدير الصندوق القومي اليهودي بدراسة مسألة نقل السكان الفلسطينيين الى شمال سوريا، خصوصا الى الجزيرة المنطقة الشمالية الشرقية المتأخمة لنهر الفرات وبعد ذلك في مايو 1942، شكلت لجنة تابعة للوكالة اليهودية مهمتها اعداد مشروع الترانسفير، وعلى حد تعبير اسرائيل شاحاك فقد ظهرت نتائج عمل لجنة فايتس في كوارث التدمير الفعلي للقرى الفلسطينية التي سبقت اعلان دولة اسرائيل في مايو 1948 وينقل شاحاك عن فايتس قوله المبكر في أواسط 1941: أن أرض اسرائيل ليست صغيرة على الاطلاق اذا ما أفرغناها من العرب أو أوسعناها قليلا، حتى الليطاني شمالا ومرتفعات الجولان شرقا .. يجب أن ينتقل العرب الى العراق وشمالي سوريا. كاتب يهودي آخر هو: آمنون كابليوك، يكشف زيف الخرافة الصهيونية القائلة، ان تهجير مليون فلسطيني تم بعد رفض العرب قرار التقسيم الصادر في: نوفمبر 1947 ومقاومتهم له بالسلاح، ثم تدخل الجيوش النظامية العربية بعد ذلك، وينقل كابليوك عن بن جوريون قوله في 15/12/1947 إن الجماهير الفلسطينية الريفية لم تشارك في حركات التمرد ، ثم قوله ـ أي بن جوريون ـ بعد ذلك بثلاثة اشهر إن العرب الفلسطينيين لا يريدون خوض الحرب ضدنا في العديد من المناطق ومع كل هذا ـ يضيف آمنون كابليوك فان الهاجاناة الجيش اليهودي السري ومنظمة الاراجون التي كان يرأسها مناحم بيجن ومجموعة شتيرن وضعت استراتيجية عدوانية هجومية، هدفها شن الحرب الشاملة والضرب بلا رحمة. بل كتب بن جوريون الحمائمي الوديع نفسه في بداية 1948: عندما نقوم بهجوم يجب ان نكون مستعدين لتوجيه الضربة القاضية أي تدمير الموقع السكاني أو طرد سكانه لكي نأخذ مكانهم ونفذ الجميع نصائح بن جوريون الاخلاقية جدا عشرات المذابح ضد العرب مصحوبة بنشوة خلاص ماشيحاني لدى القتلة الصهاينة وأطلق بيجن شعاره النازي بعد مذبحة دير ياسين أنا قاتل، إذن أنا موجود! وفي الوقت الذي عارض بن جوريون أي تحديد لحدود الدولة العبرية كانت الحرب ضد الفلسطينيين مصحوبة دائما بما يسمى الخيار الأردني وفي 11 مايو 1948، أعلن ناحوم جولدمان أن وكالته اليهودية تأمل في أن يكون الملك عبدالله ملك الاردن، ممثلا للفلسطينيين في الأمم المتحدة انها فكرة الوطن البديل نفسه التي دعا لها شامير ومعه ومن بعده آخرون ليس آخرهم زئيفي. وفي كتابه «فلسطينيي 1948 ـ التغييب» يفسر الباحث والمؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر، لغز رحيل 1948 ويدحض زيف دعاوى الصهاينة بأن الفلسطينيين رحلوا بارادتهم أو بعد تدخل الجيوش العربية في مايو 1948 ويؤكد: أن طرد ترانسفير الفلسطينيين حدث قبل الحرب الاسرائيلية العربية وخلال الحرب الاسرائيلية الفلسطينية التي سبقتها والسبب أن الشعب الفلسطيني بعد توقف انتفاضته الكبرى سنة 1939 لم يعد يجابه آلة الطرد الصهيونية إلا على نحو مفتت ومجزأ، وأصبحت كل منطقة أو عشيرة فلسطينية تدافع عن نفسها من دون ارتباط بمجموع وطني شامل وفي المقابل مارس الصهاينة تكتيكا مكنهم من النجاح، كانوا يحاصرون كل منطقة على حدة ويخيرون أهلها الفلسطينيين بين مصيرين: المجزرة أو الرحيل ويحشدون أكبر قدر ممكن من قواتهم في كل حصار واصبح ميزان القوى مختلا بشدة لمصلحة الصهاينة مئة رجل يحملون البنادق في طبرية في مواجهة ألوية آلون بضع مئات في حيفا امام آلاف مؤلفة الخ ويحصى الياس صنبر ثلاث عشرة عملية ومذبحة تم تنفيذها بين الأول من ابريل والخامس عشر من مايو 1948 ثماني منها خارج حدود القسم المخصص لليهود بمقتضى قرار التقسيم، أي في الجزء الذي كان مخصصا للفلسطينيين وهكذا تم الترحيل بالقوة ومع سبق الاصرار والترصد! وفي حرب 1967 تكررت فاجعة الترحيل الترانسفير بالقوة، وقامت اسرائيل بطرد مئات الالاف من الفلسطينيين والرقم الحقيقي مجهول، تصل به التقديرات الى 600 ألف نسمة ويقدره اسرائيل شاحاك بنحو 500 ألف نسمة، أما الكاتب الفلسطيني بلال الحسن، فيورد أرقاما أخرى 350 ألفا من الضفة الغربية و50 ألفا من قطاع غزة وحين حاول بعض الفلسطينيين العودة الى بلادهم بعد الحرب، سنت اسرائيل قانونا يقضى بسجن من يحاول العودة 15 عاما، وقتلت عشرات حاولوا العودة فوق جسر «اللنبي» على نهر الأردن. ـ كاتب سياسي مصري