لست من عشاق الماضي ولا من هواة جمع التحف الأنتيكا والكتابات الأنتيكا .. فالحياة والأفكار شريان دائم التدفق والفيضان .. أنا مع الانسان في تجاوزه المستمر لنفسه .. ومع كل التحولات التي تحدث في عقله وفي قلبه .. إنني أنحني لكل جديد يغني حياتي .. ويضيف اليها تفاصيل جديدة .. وأبعادا جديدة.لكنني لست مع الجديد الذي يسرق مني مدخراتي العقلية ويهدم سقف البيت الذي أسكنه دون أن يعطيني سقفا بديلا أعيش تحته .. أرفض تجريدي من أفكاري بحجة الجري وراء آخر التقاليع الثقافية .. فمثل هذه التقاليع تجرد الانسان أحيانا من الجلد والعظم وتتركه عاريا وسط دوامات وتيارات لا يقدر عليها. وعندما أجد كتابا جديدا يستحق القراءة أشعر بفرح لا يمكن تصوره .. وأكاد أطير في الهواء حتى أصل الى مكان أنفرد به فيه .. إنها حالة نادرة بعد عقود طويلة من القراءة والكتابة .. فليس كل ما يطبع يستحق أن يقرأ .. وليس كل ما ينشر يستحق أن يطبع .. إن مصير كتب كثيرة تفرض نفسها علينا هو سلة المهملات. وقد توقفت مؤخرا عند كتاب المسيح اليهودي ونهاية العالم الذي كتبه رضا هلال وشعرت بالندم لأنني لم أنتبه إليه وقت صدوره .. فهو كتاب يشرح ويفسر الدعم الديني الأمريكي لاسرائيل .. وهو دعم يتجاوز الدعم السياسي والعسكري والاستراتيجي لها .. فلو كان البنتاجون يفتح لها خزائن السلاح .. ولو كان الكونجرس يفتح لها خزائن المال .. ولو كان البيت الأبيض يفتح لها خزائن القرارات السياسية فإن الكنيسة الأمريكية تفتح لها أبواب البركة والصلوات. إن هناك انحيازا من نوع آخر في الولايات المتحدة لاسرائيل لا نعرفه هو الانحياز اللاهوتي والانحياز الثقافي .. إن اللوبي اليهودي لم يخترق البورصة والثروة والكلمة المؤثرة فقط وإنما اخترق وجدان الناس هناك®. وهذا يضاعف من صعوبة هذه القضية التي ندفع ثمنا غاليا كل يوم من دماء الفلسطينيين في مشهد الجنازات الثابت في كل نشرات الأخبار المسائية. لقد سبقت الصهيونية المسيحية الأمريكية الاستيطان اليهودي في فلسطين بفترة طويلة من الزمن .. إن كريستوفر كولمبس كان يؤمن بأن رحلته لاكتشاف أمريكا هي جزء من سيناريو سوف يقود في النهاية الى تحرير القدس من المسلمين الكفار واعادة بناء الهيكل .. وفي كتابه الذي أسماه التنبؤات قال لملكة أسبانيا إيزابيلا التي ساندته في رحلته لاكتشاف أمريكا: إنه سوف يستخدم الذهب الذي يجده في العالم الجديد لاعادة بناء الهيكل حتى يكون مركز الكون و حلمة الكرة الأرضية أي أن أمريكا منذ اللحظة الأولى لاكتشافها كانت عينها على إنشاء اسرائيل. لكن الانطلاقة الكبرى للمسيحية اليهودية تعود في الأصل الى حركة الاصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر .. إن اليهود قبل هذه الحركة كانوا هدفا للعنات فهم الذين صلبوا المسيح .. وقد طردوا من فلسطين عقابا لهم على ذلك .. على أن ذلك تغير تماما بعد أن جاء رائد الاصلاح الديني مارتن لوثر كينج فقد نشر في كتابه المسيح ولد يهوديا: إن الروح القدس شاءت أن تتنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم .. إن اليهود هم أبناء الرب ونحن الضيوف والغرباء وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل ما يتساقط من فتات مائدة أسيادها. وفي القرن التالي انتشرت المسيحية اليهودية في الأوساط الدينية الى الأوساط الأدبية والسياسية .. إن جاك لوك مؤسس النظرية الليبرالية قال في كتابه تعليقات على كتاب القديس بولس: إن الرب قادر على جمع اليهود في كيان واحد وجعلهم في وضع مزدهر في وطنهم القومي وهو أرض الميعاد في فلسطين واسحق نيوتن مكتشف نظرية الجاذبية يقول في كتابه نبوءات دانيال ورؤيا القديس يوحنا إن اليهود سيعودون الى وطنهم .. لكني لا أدري كيف سيتم ذلك؟ .. ولنترك الزمن يفسره وجان جاك روسو فيلسوف العقد الاجتماعي يقول في كتابه إميل: لن نعرف الدوافع الداخلية لليهود أبدا حتى تكون لهم دولتهم الحرة ومدارسهم وجامعاتهم. وقرب نهاية القرن الثامن عشر خاطب الشاعر الانجليزي وليام بليك اليهود قائلا: استيقظي يا إنجلترا .. استيقظي .. فأختك أورشليم القدس باللغة العبرية تناديك لماذا ينام هؤلاء المؤمنون كالأموات ويغلقونها عن جدرانك القديمة وكتب اللورد بايرون في مجموعته الشعرية الألحان العبرية قصيدة افتتاحية بعنوان إبك من أجل هؤلاء قال فيها: أيتها القبيلة كثيرة التجوال وذات الصدر المرهف .. كيف ستستقرين وتشعرين بالراحة؟ .. إن لليمامة عشها .. وللثعلب وكره .. وللبشرية وطنها .. أما اسرائيل فليس لها إلا القبر. أما نابليون بونابرت فهو أول رجل دولة يقترح بصورة مباشرة اقامة دولة يهودية في فلسطين قبل وعد بلفور بنحو 188 سنة .. فخلال وجوده في سوريا ضمن حملته الكبرى على الشرق أصدر بيانا دعا فيه اليهود للقتال معه لاعادة إنشاء مملكة القدس القديمة .. وفي البيان وصف اليهود بـ «ورثة فلسطين» الشرعيين وبأنهم الشعب الفريد الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط وأنهى البيان قائلا: سارعوا .. إن هذه هي اللحظة المناسبة التي لا تتكرر لآلاف السنين للمطالبة باستعادة حقوقكم التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم وحقكم الطبيعي المطلق في عبادة يهوه إله اليهود الذي عبدوه بعد خروجهم من مصر طبقا لعقيدتكم علنا والى الأبد. وربما كان ويليام شكسبير الأكثر شهرة في مواجهة اليهود ..إن مسرحيته تاجر البندقية ستظل علامة ملونة ولامعة في الابداع الأدبي والتفسير السياسي .. إن شيلوك اليهودي بطل المسرحية أصبح رمزا للتعسف الانساني .. لقد اقترض منه التاجر الايطالي أنطونيو مبلغا من المال وكتب له تعهدا بأن يسدد له رطلا من لحمه الحي لو لم يسدد المال ولم يقدر أنطونيو على السداد وأصر شيلوك على أن يقطع رطلا من لحمه .. ولم يسمع لأصوات التوسل التي طالبته بالرحمة .. لكن اليهودي الجشع أصر .. فكان أن طالبته الفتاة الذكية بورشيا التي تخفت في زي أحد المحامين أن يقطع رطل اللحم دون إراقة نقطة دم وأن يكون القطع رطلا بالضبط لا يزيد ولا ينقص وإلا كان ذلك إخلالا بالعقد .. ولم يقدر شيلوك على التنفيذ .. وهو ما يعني أن التعسف الذي يفرضه الاسرائيليون يمكن مواجهته بالتفكير السليم .. فلا عبقرية مطلقة لجنس على حساب باقي الأجناس. على أن أهم ما في كتاب رضا هلال هو تأصيله لفكرة أن اليهود منذ اللحظة الأولى لاكتشاف أمريكا وهم في ضميرها الديني وكيانها السياسي إن المهاجرين البروتستنت الذين تبنوا حركة الاصلاح الديني وردوا الاعتبار لليهودية عندما وصلوا الى العالم الجديد شبهوا أنفسهم بالعبرانيين القدماء حين فروا من ظلم فرعون فهؤلاء المسيحيون البروتستنت كانوا قد فروا هم أيضا من فرعون انجلترا بالنسبة لهم وهو الملك جيمس الأول وشبهوا إنجلترا التي هربوا منها بمصر التي خرج منها اليهود .. أما أرض الميعاد فهي في هذه الحالة أمريكا .. ولو استمر التشبيه فلابد أن يكون الهنود الحمر مثل الفلسطينيين .. وعلى كل حال فإن مصير الشعبين كان متشابها. كانت أول أرض وطأها المهاجرون هي مستعمرة ماساشوستس في نيو إنجلاد وقد اعتبروها أورشليم الجديدة أو أرض كنعان الجديدة .. وفي موعظة تأسيس هذه المستعمرة التي تعد نواة الولايات المتحدة الأمريكية قال الأب جون كوتون: إن الرب حين خلقنا ونفخ فينينا روح الحياة أعطانا أرض الميعاد أمريكا وما دمنا الآن في أرض جديدة فلابد من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من أجل مجد بني اسرائيل .. شعب الله المختار .. إن هذه المسيحية اليهودية المبكرة ارتكزت على مقولتي أرض الميعاد و الشعب المختار وهما المقولتان اللتان مثلتا أساس استعمار أمريكا و استعمار فلسطين .. وهو تشابه يجب التوقف عنده طويلا. ونحن نحفر في تربة العلاقات الأمريكية الاسرائيلية لاستخراج الآثار التاريخية الدالة على قدمها. ولو قفزنا الى العصر الذي نعيش فيه فإننا نكتشف أنه ليس صحيحا أن الأمريكيين شعب غير متدين كما هو شائع بيننا .. إن جورج بوش قبل أن يواجه الكونجرس أول مرة بعد أحداث سبتمبر الأسود وجه الدعوة الى 27 رجل دين مسيحيا للصلاة معه في قاعة روزفلت في البيت الأبيض .. وفي دائرة من المقاعد جلس الجميع في خشوع وقد تشابكت أيديهم معا بينما كانت أنظارهم شاخصة الى السماء .. ولم يتردد الرئيس الأمريكي سيئ الحظ في أن يقول لمن حوله: إن الله مهم في عالم الحروب الآن حسب ما نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية وفيما بعد أضاف أمام الكونجرس بتحد وحزم ودون أن يغمض له جفن: إنه باسم الله سيقود الأمة الأمريكية القلقة في حرب حاسمة ضد الارهاب .. ثم بصريح العبارة استطرد: إننا نحتاج الى جانب مساعدة الحلفاء الى مساعدة السماء ثم وبثقة لا أحد يعرف مصدرها قال: وسنحصل على هذه المساعدة. إن 95% من الأمريكيين يعتقدون في وجود الله وبين كل خمسة أفراد أربعة يعتقدون في المعجزات وفي وجود حياة بعد الموت .. ونحو 82% منهم يعتبرون أنفسهم متدينين .. مقابل 55% في بريطانيا و54 % في المانيا و48% في فرنسا .. أما من يذهبون الى الكنيسة اسبوعيا في أمريكا فنسبتهم 44% مقابل 18% في المانيا و14% في بريطانيا و10% في فرنسا. إن الولايات المتحدة ليست دولة علمانية كما هو شائع وكما هو منصوص عليه في الدستور الذي يضع حائطا فاصلا بين الكنيسة والدولة طبقا لمقولة المسيح الشهيرة: دع ما لقيصر .. لقيصر وما لله لله ويمكن أن يصل التدين في بعض الأحيان الى حد التعصب. ثم يتجاوزه الى التطرف .. ثم يصل في النهاية الى الارهاب .. ففي يوم 19 ابريل عام 1993 أضرمت النيران في مجمع ديني يسمى الديفيديين وهو مقر جماعة متطرفة يقودها زعيمها ديفيد قورش وهم يعتقدون أنهم ينفذون خطة الرب بأعمال العنف تمهيدا لنهاية العالم وعودة المسيح المخلص وقد هاجمته قوات المباحث الفيدرالية وقتلته هو وبعض أتباعه .. واللافت للنظر أن قورش عندما دفن كان تابوته مدفونا في العلم الاسرائيلي .. وليس العلم الأمريكي. وفي الذكرى السنوية الثانية لإحراق مجمع الديفيديين في 19 ابريل عام 1995 قام تيموثي ماكفي بتفجير المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما انتقاما لمقتل قورش وأتباعه وهو التفجير الارهابي الذي سارعوا باتهام المسلمين بتدبيره. لقد عادت حركة الإحياء الديني في الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن العشرين .. فقد شهدت تلك الدولة القوية ابتداء من عام 1976 صعود المسيحية السياسية والأصولية أو ما يسمى باليمين المسيحي .. وهو ما ضاعف من عملية مساندة اسرائيل على أسس لاهوتية وايمانية لقد وصل في تلك الايام الى البيت الأبيض الرئيس جيمي كارتر الذي أعلن أنه مسيحي أعيد تنصيره أو أعيد تعميده .. وتوالى صعود اليمين المسيحي في الثمانينيات والتسعينيات حتى أصبح قوى تصويتية مؤثرة في انتخابات الرئاسة والكونجرس إذ أصبح يستحوذ على ربع عدد الأصوات على الأقل .. أي نحو 10 أضعاف الأصوات اليهودية .. وفي طريقه الى السيطرة على المسرح السياسي تحالف اليمين المسيحي مع اليمين السياسي في الحزب الجمهوري ليشكل ما أصبح يعرف باسم حزب الله وفي الوقت نفسه أصبحت اليهو مسيحية صفة لأمريكا لدرجة قطع لسان من لا يصف أمريكا باليهودية الى جانب المسيحية .. وذلك ما حدث في انتخابات عام 1992 الرئاسية والبرلمانية التي أطاحت فيها أمريكا اليهو مسيحية بالرئيس جورج بوش الأب بالرغم من أن فترة رئاسته شهدت سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار بلاده في حرب الخليج. وقد استوعب جورج بوش الابن هذا الدرس الصعب وتعمد أن يقول خلال حملة الترشيحات الأولية في الحزب الجمهوري في ديسمبر عام 1999: إن يسوع المسيح هو الفيلسوف السياسي المفضل لي وعندما سأله تيم روسرت المذيع في شبكة (إن. بي. سي) التليفزيونية توضيح ذلك كانت اجابته: إن المسيح هو الأساس الذي أعيش به حياتي شاء من شاء وأبى من ابى .. وبعد أن فاز جورج بوش على منافسه جورج ماكين بترشيح الحزب الجمهوري له كشف ماكين عن دور اليمين المسيحي في فوز بوش .. وعندما انعقد المؤتمر القومي للحزب الجمهوري في أوائل أغسطس عام 2000 لاختيار بوش مرشحا للرئاسة لفت نظر الجميع بأنه افتتح المؤتمر بنشيد المسيح وأعلن بوش تبنيه لبرنامج اليمين المسيحي وهو برنامج يلغي مبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة .. ثم أنهى المؤتمر بصلاة البركة. إن كتاب رضا هلال صدر قبل أحداث سبتمبر الأسود وهو ما يعني أنه جاء قبل موعده .. وهذه هي مهمة الكتب الجيدة .. والأفكار الجيدة .. فليس كل من ركب الحصان خيالا .. وليس كل من نشر كتابا يعد مؤلفا. ـ كاتب مصري