أصبح أغلبنا ينام ليصحو على خبر علمي او وطني جديد، فمن دواء جديد لمعالجة مرض القرن الايدز، الى آخر للسيطرة على الضغط او السكري، الى ثالث لمعالجة العجز الجنسي، تتواتر تلك الاخبار بشكل يومي مثير دون ان تدع لنا مساحة للفهم او الاستيعاب، فما يحدث من تجارب، واكتشافات، ونتائج، وتصنيع، وتصدير، واستيراد في جميع المجالات يفوق ذاكرة الانسان، خاصة في دول العالم الثالث، الذي اصبح الانسان فيه يدير عينيه يمنة ويسرة، ويردد بصوت هامس.. «جرى إيه» كما يقول الاخوة في مصر.. المثير ان العلماء بدأوا يفككون شيفرات الانسان المعقدة وأخذوا يشيرون بأصابع الاتهام الى الموروثات الجينية، حيث تحول اغلبنا الى جينات متحركة، فعندما يداهم النسيان الانسان فمرد ذلك جينة مسئولة عن ذلك التدهور في الذاكرة، وعندما يحاول احدنا النوم فلا يستطيع ويجد الشوق يجره جرا يردد قول الشاعر: يا من نفت عني لذيذ رقادي مالي ومالك قد أطلت سهادي فبأي ذنب أم بأية حالة أبعدتني ولقد سكنت فؤادي وصددت عني حين قد ملك الهوى روحي وقلبي والحشا وقيادي ومعنى ذلك ان كيمياء الحب اخذت تتفاعل في المختبر الداخلي لقلب ذاك المشتاق. العلماء يشيرون الى ان نوازع الوله والعشق والاشتياق متأصلة في بعضنا، وأن هناك جينة تتسبب في حدوث هذا الدفق المثير في العواطف الانسانية فتصنع حالة قد تؤدي الى الهذيان احيانا، ومثلها تنصهر جينة الكراهية احيانا فتؤدي بصاحبها الى الحقد على نفسه وعلى الآخرين.. هكذا وبفضل التواصل العلمي المتسارع يفسر العلماء ويحللون كثيرا من الظواهر الاجتماعية والانسانية المعقدة والمتداخلة، ولا أدري ان كان هذا العلم الذي يبني نظرياته وعلومه على علم الجينات ويدور في فلكها ميزة للانسان أم وبالاً عليه، خاصة اذا ما عرفنا ان العلماء الباحثين في هذا المجال اعتمدوا النظرية التفكيكية، وهذه النظرية لا علاقة لها لا من قريب او بعيد بالنقد الأدبي والبنيوية التي تعتمد أشكالا مقاربة للنظرية التفكيكية، اذ تعتمد تلك النظرية على التحليل الروحي للنفس البشرية وتجريد الانسان وتفكيكه من عقده المركبة، وتطهيره داخليا وارجاع كل الشرور والطيبة الى جينات موروثة تتحكم بشكل او بآخر في رسم التوجه الذي يمشي عليه الانسان. وهذا يقود اذا ما اعتمد بشكل علمي وأجيز الى ظواهر سلبية كبيرة في المجتمع الانساني، اذ بفضل تلك النظرية، يصبح الانسان غير مسئول عن تصرفاته، ويتحول المدان الى مريض، على المجتمع مراعاته، فالرئيس الأمريكي السابق كلينتون يتحول الى انسان مريض حرضته جينة الخيانة على فعل ذلك، ومثله ميلوسيفيتش وهتلر وموسليني والارهابي كارلوس وغيرهم من الذين عاثوا في الارض فسادا.. وهذا بدوره يفتح باباً للمحامين الذين سيجدون تبريرا لموكليهم من المجرمين والمذنبين، فإذا كان للكذب جينة وللصدق جينة وللأمانة جينة وللخيانة جينة فإن للإجرام جينة في تصور أولئك تحمل على كتفها وزر المجرم وتطهره من جرمه لأنها هي المسئولة الاولى والأخيرة عن ذاك الشرور المتأصل في داخله، وبالتالي تسقط عنه بتلقائية مطلقة ما اقترفت يداه وما دبره عقله من جريمة. لا أدري كيف سيكون العالم اذا ما أصبحت مثل تلك النظرية واقعا معاشا؟ قد يكون هناك تفسير نفسي نتفق عليه جميعا حول اشخاص بعينهم، فنقول ان المعاناة افرزت عبقريا او مجنونا، او نقول ان الحياة البائسة او الظرف الاجتماعي جعل من شخص ما مجرما.. لكننا لا نستطيع ان نقول ان جينة الجريمة انتصرت فأنجبت مجرما او ارهابيا عتيدا. عموما يظل الجدل محتدما بين العلماء حول السببية او من المسئول عما يحدث ولو كان الامر يجري بالنظرية التفكيكية التي يؤمن بها البعض لبدأ العلماء في السعي الجدي لتطويق دنا الشر وتحجيمها وفتح حدود الخير واسعا، وبالتالي ايجاد الانسان السوبر المعجون من جينات الذكاء، والفطنة والشجاعة والخير، والتدين، والفرح، والقوة، والشباب، والحكمة، وما الى ذلك من صفات قد تكون نادرة في هذا الزمن المتواصل بالخبث والخديعة، والمتشابك بالمصالح والفساد! ومن هنا قد تنجب البشرية من جديد عنترة آخر، وليلى اخرى وشهرزاد جديدة ومتنبي حديثا، فيتواصل العالم من جديد مع عبقريات في الفن والأدب والشعر والعلم والموسيقى والعمارة والهندسة، وتعود من جديد ليال اخرى اكثر تشويقا واثارة من ليالي ألف ليلة وليلة وأرق عذوبة من ليالي الوصل في الاندلس. يبدو ان المغامرة لم تنته بعد ويبدو اكثر ان الجينات التي يتحدث عنها العلماء اصبحت جينات زمن وليست جينات انسان، وإلا ما تساءل أغلبنا هنا وهناك بصوت يبدو انه مسموع «شو اللي صاير يا اخوان»!