«يجب أن أقول الكلمات إلى أن تقولَني.. الى أن تعثرَ عليّ».. فقرة رائعة كتبها يوماً الروائي صموئيل بيكيت، وأيقظت فّي من جديد هذا العشق اليومي للغة.. لغتنا تحديداً التي اعطتها العرب بعديها المعرفي والجمالي في آن معاً. والبحث عن اللغة ككينونة، يعني بصفة خاصة الرغبة في العثور على جوهرها، وعلى اضاءة ما يتعدى ظاهرها اللساني الكتابي، فهي ذات ظاهر وباطن، لذا تستحيل معرفتها دون النظر عميقا في هذه الذات أي في الثنائية التي تنطوي عليها وتجعلها ظاهرة وجودية. «في البدء كانت الكلمة» تلك هي الحقيقة الكبرى التي انبثقت منذ بدء الخليقة، ولعل ما يحمل الدارسين العرب على وضع اللغة العربية في الميدان الفلسفي هو شعورهم بأنها تزخر بقابليات البحث والابداع وفضاءات النقاش الواسع، وهي تنطوي على ثراء استثنائي قياساً باللغات الانسانية الاخرى. لكن اين نحن الآن من هذه اللغة الجميلة؟ وكل يوم تستفزنا لافتات منتشرة هنا وهناك بعباراتها المنفّرة بحجمها وطولها وعرضها، وهذا الاستفزاز ليس مردّه اسم المحل او السلع التي يروجها، بل ما يرد فيها من كلمات مكتوبة بلغة عرجاء تفقد العاقل صوابه! قد يكون التطرق الى هذه المعضلة مسألة مستهلكة بنظر البعض، بعدما تناولتها دراسات سوسيولوجية وتحقيقات صحفية ومقالات انتقادية وأبديت بشأنها آراء متعددة. لكن السؤال: هل تغير بعد كل ذلك في الامر شيء؟ فاللافتات التي نتحدث عنها لاتزال منتشرة على واجهات المؤسسات والشركات ومحلات البقالة وصالونات الحلاقة وغيرها.. وقد يواجه أي منا حين يقصد فندقا او مرفقا فاعلاً نماذج من البيانات والمذكرات والبطاقات التي تضج بأخطاء تثير سخرية تلميذ الابتدائي! ولعل هذا الامر يردنا الى كيفية التعامل مع لغتنا العربية الجميلة الغنية بمفرداتها والزاخرة بمعانيها. ولا أعتقد بأن مؤتمراً أو ندوة يعقدان على شكل مناسبة سنوية قد يجدان وحدهما العلاج الشافي لمثل هذه المعضلة.. بل إن الأصل في احترام لغتنا هو زرعها في الطفولة منذ تفتح براعمها الاولى، والتعاطي معها بالحرص ذاته وأكثر حين نُدرّس أطفالنا اللغات الاجنبية والمواد التربوية الاخرى. إذ ماذا ينفع المرء إذا اكتسب لغات الآخرين وخسر لغة دينه وتراثه وسلوكه الحياتي اليومي؟ والمؤسف اكثر ان انتهاك «كرامة» اللغة الذي تكلمنا عنه سالفاً، نراه اليوم في الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وهو دون مبالغة انتهاك معلن للكلام، وافناء متمادٍ لصدقيته حتى بات متعذراً إقامة الحد الفاصل بين الحقيقة والايهام بها او بين الحلم والخرافة. ولا شك في أن ترويج اللغة العرجاء على لافتات المحلات والاعلانات التجارية وبطاقات المناسبات يقترب في خطورته من هذا التدمير الذي يستشري أيضا في الكتابة التي تحتاج عناء كبيراً كي تحوز ثقة المتلقي. وحين ندعو الى اعادة الاعتبار للغة والكلام، ننطلق من اعتقادنا بأن الكتابة فعل غير يسير، وهي ليست بمتناول كل راغب، وإلا لما احتلت هذه المكانة الرفيعة في الدين والفكر والعلوم والاساطير القديمة. الكتابة، اخيراً، اشبه بحمل الاثقال، وليس بامكان أيّ كان التصدّي لمهمة شاقة من هذا النوع، والكتابة معاناة مثل اللغة كفلسفة حياة كلاهما فعل مسئولية، لذا حين يسود التضليل، ويتم اللعب بالكلام في اوساط الناس يحق لأيّ فرد ان يرفع الصوت عالياً طالباً الرأفة! Email: ismail_haidar@yahoo.com