كيف انتهى الحال بالمواطن في البلاد العربية؟ كيف حاله بعد ان ملأ الشوارع صراخاً ومظاهرات وملأ قلبه احلاماً وأمنيات؟ كيف حاله بعد أن قضى العمر وانقضى وهو يطالب قادته وأنظمته بأبسط الحقوق والمسلمات التي قالوا له يوماً في خطبهم وأقوالهم وكتب المدرسة بأنها ثوابت الأمة وأسس العقيدة، ومطالب الشرعية الدولية وحقوق الانسان؟ يحكى ـ والعهدة على الراوي ـ ان هذا المواطن العربي المسكين عندما صدق كلام الخطب وكتب المدرسة، وأصر على اخراج الحقائق والحقوق من الكتب ودواوين الشعر ونظريات السياسة اكتشف بأن فقهاء السياسة في وطنه قد اختلفوا الى مذاهب شتى في تفسير ما جاء في الخطب والشعر والكتب، وفوجئ بهم يحدثونه عن اعتبارات السلطة، ويقنعونه بالتزامات الانظمة والارتباطات الدولية، وبأنه اذا اراد ان يطاع فليطالب بما هو مستطاع! وبعد ان اسقط في يديه ووقع مغشياً عليه، اكتشف أنه لم يعد بالمستطاع مراجعة مسار التهاوي في أحضان الصهيونية لأن «اسرائيل» على ما يبدو قد اصبحت مذهباً والعالم كله في طريقه لاعتناقه تحت ضغط العصا والجزرة الامريكية!! أهي جراثيم التاريخ التي نبتت منذ قرون واستمرت حتى اليوم؟ ام هي لعنة الجغرافيا التي جلبت لنا أساطيل اوروبا وطغاتها في موجات استعمار متلاحقة لم تتوقف، يسلم الراية مستعمر لآخر، حتى بات كل الوطن بيد مستعمر واحد لا يستطيع احد ان يقول له: لا، لأنها ستكلفنا غالياً.. وغالياً جداً. ان «اسرائيل» هي احدى عورات هذا التاريخ، وهي أكبر لعنات الجغرافيا، وهي على ما يبدو ليس لديها «شغل» هذه الايام، صار شغلها الشاغل والوحيد ذبح الفلسطينيين امام كاميرات الاعلام العالمي، وإعمال الآلة العسكرية فيهم في مشهد اجتثاث وتصفية واضح يتعرض فيه كل الكيان الفلسطيني للابادة، تماماً مثلما حدث ذات يوم عندما سالت دماء مسلمي البوسنة أنهاراً في الشوارع دون ان يتحرك احد، تاركين جزار الصرب، كما يترك جزار الصهيونية شارون اليوم يشرب الدم الفلسطيني بتلذذ، بينما العالم يتفرج، بانتظار الاشارة العظمى التي بدورها تنتظر الرضا الصهيوني. هذا هو ميراث التاريخ العربي المجيد والموقع الاستراتيجي العظيم، فلجنة التحقيق مرفوضة لأن (اسرائيل) لا تريدها، وقوات الحماية الدولية مرفوضة لان (اسرائيل) لا تريد ذلك، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية مرفوض، واعلان الدولة الفلسطينية مرفوض، ومساعدة الفلسطينيين مرفوضة، وقطع العلاقات مع الكيان الغاصب مرفوض، وانهاء التطبيع مرفوض، ومعادات اليهود عنصرية مرفوضة، اضف على ذلك تهمة الارهاب التي لم تبق عربياً او مسلماً خارج قوائم الاشتباه والاتهام والمراقبة! ما هو المسموح به اذن يا حماة الديمقراطية والعدالة بلا حدود؟ ما هو الحل لكل هذا الذبح الهمجي المجاني للشعب الفلسطيني ونحن على ابواب شهر رمضان المبارك نهم بممارسة عبادة عظمى هي الصيام، فهل يتقبل الله صيامنا؟ ألا ينقض هذا الدم المسفوح جوراً صيامنا وحرمة الشهر؟ بودنا لو نسأل: أيحق لنا ان نتباهى بأن في دساتيرنا نصاً يقول بأننا دول عربية مستقلة وذات سيادة؟ وان نسأل اي حاكم اوروبي او امريكي: اما زلتم مصرين على انكم دول صديقة وديمقراطية؟ اذن فهذه دعوة لمتابعة اي نشرة اخبار محايدة! Aisha@albayan.co.ae