الآن حصحص الحق. فقد تحركت منظمات حقوق الانسان الامريكية لتعبر علنا عن شكوكها في التكتم المريب لاجهزة التحقيق الامريكية بشأن المئات الذين جرى اعتقالهم تباعا عقب احداث 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك. فبعد اكثر من خمسين يوما من احداث الهجوم على مبنى البنتاجون ومركز التجارة العالمي لايزال الف معتقل ـ غالبيتهم العظمى عرب ومسلمون ـ مجهولي المصير ـ بل ولم يوجه الى اي احد منهم اتهام جنائي محدد. احدى وعشرون منظمة امريكية تعنى بحقوق الانسان تقدمت بطلب الى وزارة العدل في واشنطن الاسبوع المنصرم للحصول على معلومات عن المعتقلين: اين يحتجز كل واحد منهم .. وفي اي ظروف؟ وهل الاستجوابات مستمرة ام متوقفة؟ ولماذا لا يقدمون الى محاكمة او بالعدم يطلق سراحهم؟ وماهي احوالهم الصحية؟ وهل يخضعون لتعذيب؟. وبالطبع فان السؤال الاكبر الذي يتضمن داخل جوفه كل الاسئلة الاخرى او معظمها هو: اليس عجيبا ومريبا انه بعد مضي ما يقارب الشهرين من وقوع اكبر هجوم داخلي في تاريخ الولايات المتحدة لا يزال الفاعل مجهولا؟ الطلب الذي تقدمت به منظمات حقوق الانسان الامريكية لمعرفة ماذا جرى ويجري للمعتقلين هو الاحدث تاريخا لسلسلة من طلبات سابقة لم تحظ بأي رد من مسئولي وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي. وفي هذا الصدد يقول جريجوري نوجيم احد قادة هذه المنظمات: «نشعر باستياء بالغ من رفض الحكومة الرد على طلباتنا السابقة بتزويدنا بالمعلومات التي تطمئن الشعب الامريكي بأن التحقيقات تجري بشكل يتفق مع قوانيننا». وعلى نفس المنوال تقول اليسون كولينز الباحثة بمنظمة «مراقبة حقوق الانسان» في واشنطن: «هناك مشكلة شفافية فيما يتعلق بمعرفة مكان المعتقلين وطريقة معاملتهم». وهذه النبرة التشككية يعزز من قوتها ومصداقيتها حادثة وفاة معتقل باكستاني داخل السجن في نيوجيرزي، وهنا حررت اليسون كولينز خطابات الى السلطات المحلية والسلطات الفيدرالية تطالب بالتحقيق في ظروف وفاة هذا المعتقل دون ان تتلقى حتى مجرد رد. ومما يضاعف الريبة ان كلا من وزارة العدل ومكتب التحقيقات يرفضان حتى مجرد نشر قائمة باسماء المعتقلين. لقد ظلت قطاعات الشعب الامريكي تكابد منذ احداث 11 سبتمبر عذاب الخوف. لكن مشاعر الخوف تترافق معها الآن مشاعر الغموض والارتباك وترقب المجهول المرعب على مدار الساعة. فبينما كانت الاسر الامريكية، خاصة ذوي الضحايا من الآلاف المؤلفة من صرعى احداث التفجيرات في نيويورك وواشنطن، تتطلع متلهفة كل يوم لمعرفة نتائج التحقيق وتحديد المسئولية في حوادث الهجوم ظهر على نحو فجائي رعب «الجمرة الخبيثة» وبينما يتفاعل الذعر الجماعي من انتشار حالات هذا «الارهاب الجرثومي» وتتصاعد وتائره يوما بعد يوم بتصاعد الحمى الاعلامية تنفرج الشاشة التلفزيونية ليظهر وزير العدل جون اشكروفت «مبشرا» بمعلومات «ذات مصداقية» عن هجوم ارهابي آخر «وشيك الوقوع» ويكرر اشكروفت لظهوره الارعابي مرة ثانية بعد اسبوعين ناقلا انباء جديدة عن هجوم ارهابي وشيك الوقوع ايضا. الشعب الامريكي ابتلي اذن بأربع هجمات ارهابية، اثنان منها، هجوم «الثلاثاء الاسود» وهجوم «الجمرة الخبيثة» وقعا بالفعل، والاثنان الآخران مترقبان مستقبلا. ومع ذلك فان الجهة او الجهات المسئولة عن كل هذه العمليات الارهابية او اي واحد منها تظل مجهولة. وعجز الاجهزة الامنية الامريكية هو في الحقيقة عجز ازدواجي: فبالاضافة الى فشلها في التعرف على مدبري العمليات جميعا ـ الواقعة والمتوقعة على حد سواء ـ فانها فشلت في احباط عمليتي التفجير و «الجمرة الخبيثة» مقدما لمنع حدوثهما اصلا. فهل هو عجز فعلا .. ام ان المسألة برمتها محاطة بسر لا نعلمه؟ لننتظر ما عسى ان تأتي به الايام.