للحرب البيولوجية تاريخ طويل، فلقد وجد أحد أقدم السجلات عن استخدام الحرب البيولوجية عام 2000 قبل الميلاد، عندما أقدم سولون من أثينا على تلويث المياه الواصلة إلى مدينة كيراه بنبات الزين السام، وخلال القرن الرابع عشر رمى التتار أجساد ضحايا الوباء، من فوق جدران بلدة كافسا في منطقة القرم من أجل احداث وباء فيها، وفي القرن الثامن عشر اعطى جنود بريطانيون وعملاء لحكومة الولايات المتحدة أغطية موبوءة بالجدري للسكان المحليين في أمريكا مما أدى إلى القضاء عليهم وابادتهم. وفي هذا الصدد يذكر شلدون واتس أستاذ التاريخ الثقافي والاجتماعي الأمريكي في كتاب صدر عام 1998 عن جامعة بالا بالولايات المتحدة، ان الجنرال سير جيفري امهرست قائد الجيش البريطاني في أمريكا الشمالية أمر عام 1763 بأن ترسل البطاطين وملاءات الأسرة المحملة بالجدري إلى من تبقى من الهنود الحمر للتعجيل بفنائهم، كما أرسلت بثور الجدري في علب من القصدير من مونتريال قبيل وباء الجدري الذي ساد البلاد عام 1757، وبعد هذا الوباء الكاسح انفصمت عرى القبائل وتبعثر النظام الاداري لها وصارت معتمدة على المنح التي يفيض بها عليها الرجل الأبيض، كما اجتاح وباء كاسح للجدري المناطق الغربية حتى المحيط الهادي بين عامي 1817 و 1840، وقتل ما زيد على 40 ألفا في مناطق فيكتوريا وفانكوفر، وامتد إلى ألاسكا وقتل 60% من الاهالي الأمريكيين الاصليين ولم تبذل السلطات الموجودة آنذاك أي محاولة جادة لحصر انتشار الوباء ومن ثم هلك الكثيرون من البقية الباقية من الهنود الحمر بين عامي 1890 و 1910، ويوثق الكتاب للعديد من الحالات التي استخدم فيها الرجل الأبيض الحرب البيولوجية والجرثومية لأجل القضاء على مقاومة اهالي المناطق التي حاول السيطرة عليها، ويؤكد الباحث ان سيطرة الرجل الأبيض على أمريكا ما كانت تتم لولا استخدام هذا السلاح، بل ويربط بين الظاهرة الاستعمارية وانتشار الأوبئة في آسيا وأفريقيا. وخلال الحرب العالمية الأولى تم استخدام مئة طن من الغازات السامة كالكلور والفوسجين والخردل لقتل مئة ألف جندي والحاق الأذى بـ 1.3 مليون آخرين. تطوير الاستخدامات وفي الحرب العالمية الثانية استخدم الألمان هذه الأسلحة، كما أجرى اليابانيون تجارب حربية جرثومية مخيفة على أسرى الحرب، كما توضح الوثائق المنشورة عن هذه الفترة ان بريطانيا والولايات المتحدة كانت لديهما خطط لم توضع موضع التنفيذ لاستخدام مرض الجمرة كسلاح مخزن ضمن قنابل تزن 200 كيلوجرام، أو القائه لاصابة قطعان حيوانات العدو بعدوى هذا المرض، وفي مارس 1995 أطلق بوذي من مذهب متطرف في اليابان غاز الأعصاب السارين في شبكة الانفاق في طوكيو قاتلاً بذلك 12 شخصاً وملحقاَ الاضرار بنحو 5500 شخص آخرين والشيء الوحيد الذي منع موت عشرات الآلاف هو ان المزيج لم يكن نقيا، وهناك دليل على ان هذه الطائفة حاولت الحصول على عينات من فيروس ايبولا، وينجم الخوف الأعظم عن اطلاق عرضي عن طريق الخطأ غير المقصود لفيروس لا يمكن علاجه من أحد مراكز الحرب البيولوجية كقلعة ديتريك التي تقع خارج واشنطن مما يهدد الجنس البشري ذاته، حيث يمكن لفيروس متحول أو الايبولا والذي ينتقل عن طريق الهواء ان يعدي معظم الكرة الأرضية خلال أسابيع، أو أشهر، ويشير العلماء إلى انه يمكن ان تستخدم أي دولة في حالة الحرب التكنولوجيا الحيوية لنشرمرض من أجل الفتك بمحاصيل العدو، واحداث مجاعة، ويذكر موخا بادي الخبير الزراعي والاستاذ بجامعة بونت في الهند انه يمكن فعل هذا بسهولة، وان هذا ليس خيالا علمياً، وتضيف باربرا روزنبرج من اتحاد العلماء الأمريكيين ان الأجهزة اللازمة لتطوير السلاح البيولوجي ليست أجهزة متقدمة تكنولوجياً بحيث لا يمكن صنعها محليا من قبيل أي دولة عازمة على تطوير قدرة السلاح البيولوجي لديها ولا توجد دولة منيعة ضد هذه المخاطر. وفي الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للطب والصحة الاستوائية الذي عقد في هونولولو عام 1989 عرض العلماء لمناورات حربية غير عادية اشتملت على استخدام سلاح جرثومي وأوضحت هذه المناورة ان انتشار هذه الجراثيم في أفريقيا الوسطى يمكن ان ينتقل إلى واشنطن ونيويورك خلال عشرة أيام وانه يمتد إلى العالم بأسره خلال شهر ليحدث وباءً عالميا، ويعلق العالم الأمريكي كارل جونسون على ذلك بقوله: لا يمكن اهمال هذا الاحتمال لأنه كان ولا يزال أمراً ممكناً. ومن أخطر اشكال الأسلحة الجرثومية ربما الأسلحة العرقية اي الجراثيم المحولة جينيا والتي لا تهاجم إلا جماعات عرقية أو أجناساً محددة، وتوضح الوثائق الامريكية التي نشرت مؤخراً ان سلاح البحرية الأمريكية أجرى عام 1951 اختبارات وتجارب سرية على نوع من هذا السلاح، وكان أحد العلماء السوفييت قد أعلن عام 1989 عن توصله إلى سلاح مماثل. من خلال هذا العرض المتقدم يمكن القول ان للأسلحة البيولوجية والجرثومية اثاراً مدمرة واسعة على المجتمعات الانسانية وعلى البيئة الكونية، إذ يمكن للحرب الجرثومية ان تطلق عوامل مرض جديد يكون من الصعوبة السيطرة عليه ومن شأن التطورات الأخيرة في التكنولوجيا الحيوية ان تضاعف الاستخدامات الفتاكة لهذه الأسلحة، وهو ما يتطلب بذل المزيد من الجهد لتطوير الاتفاقيات الدولية الخاصة بهذا الموضوع من أجل تحريم انتاج هذه الأسلحة وتكديسها. النظام القانوني يعود الخطر المباشر للأسلحة الفتاكة على نحو خاص من أصله إلى اعلان سان بطرسبرج الذي يحظر استخدام طلقات دم. دم عام 1890 وإلى قواعد لاهاي حول الحرب عام 1899، وبروتوكول جنيف الذي يحظر استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية عام 1925 واتفاقية الأسلحة البيولوجية عام 1972، وتحظر هذه الاتفاقية جنباً إلى جنب مع بروتوكول جنيف عام 1925 تطوير وانتاج وحيازة واستعمال الأسلحة البيولوجية والجرثومية إلا ان أيا من الاتفاقية أو البتروكول لا يتضمن اجراءات للتحقق أو العقوبات إلا ان الملاحظ انه وفقاً للمادة العاشرة من اتفاقية 1972 فإن على الأطراف ان تتعهد بأن تيسر ويحق لها المشاركة في أتم تبادل ممكن للمعلومات المتعلقة بالمعدات والموارد والمعلومات العلمية والتكنولوجية فيما يتصل باستعمال العناصر الجرثومية البيولوجية في الأغراض السلمية. إلا ان المعاهدة وان كانت قد حرمت استخدام الأسلحة البيولوجية من أجل اغراض معادية أو في نزاع مسلح، وحظرت كذلك تطوير هذه الأسلحة إلا انها سمحت باجراء بحوث عليها وهذا يعني انه من القانوني اجراء بحوث على كميات كبيرة من الجراثيم المميتة بقصد استخدامها في حرب في المستقبل، وفي التكنولوجيا الحيوية لا يوجد خط فاصل بين البحث العلمي في سلاح بيولوجي وتطوير هذا السلاح ومن ثم فلأنه لا يوجد خط فاصل بين الاستخدامات الدفاعية والهجومية للحروب الجرثومية فإنه يتعين تحريم حقل الأسلحة البيولوجية بكامله، كذلك لابد من وضع قيود صارمة على هذا النوع من تكنولوجيا الأسلحة تشمل فحص المواقع وتفكيك اجهزة الأسلحة البيولوجية المعروفة، ومراقبة تدفق بعض المواد الكيماوية وأشكال الحياة، وبالطبع فإن هذه الأمور لن تكون سهلة لأنه قد تتعارض مع بعض المصالح القوية والحساسة في العديد من دول العالم، كما انها قد تتعارض مع اعتبارات توازن القوى بين بعض الدول، خاصة إذا كانت هناك دول تملك أسلحة نووية في اقليم لا تملك فيه دول أخرى هذا السلاح النووي، وبالتالي تلجأ الأخيرة إلى الأسلحة الكيماوية والجرثومية لتحقيق التوازن المطلوب. ولكن يبقى من الضروري توفير الضمانات اللازمة لمنع اشكال خطيرة من الأحياء من الظهور من معامل خارجة على القانون، ومن ثم فتحريم هذه الأسلحة يكون مقبولاً عندما ندرك ان الأسلحة البيولوجية غير مستقرة وان نتائجها غير متوقعة، وغير خاضعة لأى محددات أو ضوابط، فقد تصيب منتجها في بعض الحالات قبل ان تصيب العدو، والمطلوب هو اتخاذ قرار ديمغرافي عالمي أو كوني للتخلص من هذه الأسلحة وتحريمها وذلك من خلال التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح كل الأطراف ويحقق الأمن والأمان للانسانية. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ القاهرة