كشفت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي وما نتج عنها من تدمير المركز التجاري العالمي في نيويورك الذي يعتبر «قلب أمريكا» والعالم الرأسمالي أجمع عن أولى سلبيات العولمة الاقتصادية، وأن الذين تحدثوا عن العولمة وفضائلها على العالم المتخلف أو النامي الذي يفتح أبوابه أمام تلك العولمة، أن هناك آثارا سلبية قد تؤثر على تمدد رؤوس الأموال، وان بلاد العالم النامي يمكنها أن تكون ضحية لتلك العولمة عندما تسير الرياح بعكس ما ترغب الشركات المتعددة الجنسية، والعابرة للقارات في حال حدوث أزمات سياسية لها آثار سلبية على الاقتصاد. بل وجدنا من ينفي مسبقا إمكانية حدوث حالات الركود الاقتصادي في ظل العولمة، أو أن كوارث العالمية يمكن أن تؤدي إلى حالة من القلق تدفع رؤوس الأموال الأجنبية إلى الهروب من البلاد التي فتحت أمامها أبوابها تطبيقا لقواعد العولمة، أو انه في حال حدوث أزمة ما لها آثار اقتصادية قد تقوم بعض الدول المتقدمة بإغلاق أبوابها أمام منتجات الدول المتخلفة مما قد يؤدي إلى حدوث آثار سلبية تقضي على كل ما حققته تلك الدول خلال سنوات الازدهار. وربما كانت أحداث الثلاثاء الأسود التي وقعت في نيويورك وواشنطن فرصة لكي نتقصى هذه الآثار السلبية التي لم يلتفت إليها دعاة العولمة، أو حاولوا إخفاءها، أو إلقاء ستارة من الدخان من حولها حتى لا يفسدوا على رأس المال «مكاسب» السنوات الأولى لتطبيق العولمة. نموذج للعولمة أول نتائج تلك الأحداث بدأت تتضح منذ الأسابيع الأولى في معظم دول العالم النامي المرتبطة باتفاقيات تجارية مع دول متقدمة، وربما كان النموذج الأوضح في المكسيك التي تشارك الولايات المتحدة في سوق مشتركة منذ يناير عام 1994، مما يجعل صادراتها إلى أسواق شريكتها التجارية تشكل ما يزيد على 90 في المئة من مجموع صادراتها الخارجية، إضافة الى حدود واسعة تمتد على مسافة 3200 كيلومتر، وما يزيد على ثمانية ملايين عامل مكسيكي ما بين مهاجرين شرعيين وغير شرعيين تبلغ تحويلاتهم إلى عوائلهم في الوطن الأم ما يزيد على ستة مليارات دولار سنويا. تحت ضغط ما حدث في نيويورك وواشنطن والإجراءات البوليسية التي تتخذها الولايات المتحدة خوفا من تسرب مزيد من الإرهابيين عبر الحدود، وتأثير ذلك على حركة التجارة بينهما، وجدت المكسيك نفسها مجبرة على إعادة تقدير نموها الداخلي، وتقديره بأقل من نصف في المئة، بالتحديد 0.2 في المائة، بعد أن كانت قد حققت معدل نمو خلال عام 2000 يقترب من سبعة في المئة، وهو أعلى معدل نمو للمكسيك خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين. وليس هناك أمل كبير في العودة إلى تحقيق معدلات نمو أكبر خلال العام 2002 يمكنه أن يعيد التفاؤل لحكومة الرئيس فيثنتي فوكس الذي يواجه معارضة حقيقية لوقوفه إلى جوار الولايات المتحدة في حربها ضد ما تسميه الإرهاب الإسلامي، معارضة لا يستطيع إسكاتها نظرا لسيطرة الأحزاب المعارضة على البرلمان الذي يمكنه أن يعرقل الكثير من المشروعات التي يعول عليها الرئيس المكسيكي لتحقيق نجاح ما في المجال الاقتصادي. إضافة إلى معارضة طبقة عريضة من الجماهير في الشارع السياسي يتقدمها عدد من المثقفين البارزين الذين يرون في علاقة بلادهم بالولايات المتحدة مجرد علاقة «تجارية» مفروضة عليهم، لأن الأرباح الحقيقية من تلك العلاقة تحققها الشركات ورؤوس الأموال الأمريكية التي تعتبر المكسيك مجرد سوق لمنتجاتها. مخاوف الشلل يكشف وضع المكسيك حاليا إلى أي مدى يمكن أن تكون للعولمة الاقتصادية آثار سلبية قد تصل إلى حد إصابة الدول الأقل تقدما بالشلل. منذ الأحداث التي وقعت خلال سبتمبر الماضي بدأت الولايات المتحدة تشدد على تطبيق قوانين كانت تخلت عنها بعد تطبيق اتفاق التجارة الحرة مع كل من المكسيك وكندا، وهذا انعكس بالتالي على حركة الأفراد والمنتجات بين الولايات المتحدة والمكسيك، ففي يوم 11 سبتمبر انخفض عدد الشاحنات العابرة من المكسيك إلى الولايات المتحدة بمعدل 50 في المئة نتيجة لعمليات التفتيش الدقيقة التي تعرضت لها تلك الشاحنات خوفا من وجود حمولات مشبوهة فيها، وكاد هذا التدقيق أن يفسد العديد من المنتجات الزراعية التي تتطلب عبورا سريعا من مكان إنتاجها إلى الأسواق الاستهلاكية. أيضا كانت هناك آثار سلبية على حركة العمل في المكسيك، لأن هناك شركات مساعدة تقع على طول الحدود بين البلدين وتعمل لحساب الشركات الأمريكية، تقدم فرص عمل لحوالي مليون ونصف المليون عامل، وهو ما يعود على المكسيك بدخل من الأموال الصعبة يقدر بحوالي 17 مليار دولار. وتعترف الحكومة بانخفاض الطلب خلال الأسابيع القليلة الماضية بنسبة 18 في المئة على المنتجات المساعدة التي تنتجها المصانع المكسيكية لحساب الشركات الأمريكية، بشكل خاص قطع غيار السيارات والتجهيزات وقطع الغيار الإلكترونية وبعض المواد الاصطناعية المساعدة مما أدى إلى إغلاق العديد من تلك المصانع، وتم تسريح حوالي ربع مليون عامل من عمال تلك المصانع. إضافة إلى أن الولايات المتحدة تعتبر المصدر الرئيسي للسياحة المكسيكية التي تستقبل سنويا حوالي 15 مليون سائح يأتي معظمهم من الجار الشمالي والباقي من كندا وأوروبا، وبدأ تأثير الرعب الأمريكي من السفر في الطائرات بعد عمليات الاختطاف ينعكس على تلك الصناعة التي يعمل فيها حوالي خمسة ملايين عامل. وهناك تخوف من انخفاض الطلب على البترول المكسيكي من الجانب الأمريكي الذي يعتبر المستورد الرئيسي لهذه المادة الخام، والتي يقدر دخل البلاد منها بحوالي 15 مليار دولار، ويرى المحللون الاقتصاديون ان الأزمة الناتجة عن أحداث الثلاثاء الأسود في نيويورك وواشنطن ان لم تنعكس على دخل المكسيك من البترول بانخفاض الطلب عليه، فإنها سوف تنعكس بالسلب نتيجة انخفاض أسعار البترول في الأسواق الدولية نتيجة انخفاض الطلب عليه من جانب الدول الصناعية كرد فعل لحالة الركود الاقتصادي المتوقعة خلال العام المقبل، والتي بدأت تظهر بالفعل. البحث عن بدائل إزاء هذا الوضع الاقتصادي المتردي الناشئ عن الآثار السلبية لعملية الشراكة بين المكسيك والولايات المتحدة في إطار «العولمة الاقتصادية» يحاول المستشارون الاقتصاديون للرئيس المكسيكي فيثنتي فوكس البحث عن بدائل تمنع وقوع كارثة شبيهة بتلك التي حدثت في يناير من عام 1994 وكادت تودي بالبلاد إلى إعلان الإفلاس الكامل، وفي رأي الخبراء لا يمكن تفادي الآثار السلبية لأحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد المكسيكي إلا بالبحث عن حلول داخلية، ويرون أن أول ما يجب عمله هو إعادة إصلاح النظام الضرائبي في البلاد بحيث يتم تشجيع الشركات على الوفاء بديونها الضرائبية من خلال تطبيق نظام صارم لتنفيذ القوانين. ويجب أيضا إدخال تعديلات على النظام الضرائبي لتشجيع الاستثمارات الخارجية وذلك بتقديم إعفاءات على الاستثمارات المتوسطة والطويلة الأجل، إضافة إلى تشجيع رؤوس الأموال الوطنية للاستثمار في الداخل وذلك من خلال خفض الضرائب المباشرة على العمليات التجارية، وتبسيط عمليات التعامل مع الحكومة بالنسبة للإجراءات الروتينية المعقدة التي تواجهها رؤوس الأموال الوطنية عند دخولها في عمليات استثمارات محلية. ويرى المراقبون أن هذه الإجراءات على الرغم من الوضع الاقتصادي الصعب الناتج عن إصابة الجار الشمالي بحالة الشلل الناتجة عن أحداث سبتمبر الماضي، فأنها تحتاج إلى وقت لإقرارها وتطبيقها، لأنها يجب أن تمر بالبرلمان الذي لا يملك فيه الرئيس فيثنتي فوكس أغلبية، خاصة أن مشروع الرئيس المعد مسبقا لإدخال إصلاحات ضرائبية على الاقتصاد الوطني يتضمن عددا من القوانين التي لا تجد قبولا من جانب المعارضة، منها زيادة نسبة ضريبة المبيعات على المنتجات الغذائية والأدوية بنسبة 17 في المئة بدلا من النسبة الحالية التي يقرها القانون، وهي 15 في المئة. لكن المراقبين والمحللين يرون أنه بالإمكان التخلي عن مطالب الرئيس فوكس في هذا الاتجاه، والتأكيد على القوانين التي يمكنها أن تجتذب رؤوس الأموال المحلية حتى يمكن تغطية العجز الاستثماري الناتج عن هروب رؤوس الأموال الأجنبية التي بدأت تنسحب بالفعل من السوق المكسيكي تحسبا للمخاطر الناشئة عن الركود الاقتصادي العالمي. إن ما يحدث في المكسيك حاليا دليل على أن العولمة تعمل لصالح الأطراف الأقوى في مواجهة الأطراف الأضعف في أي شراكة اقتصادية، لأن رؤوس الأموال تستأثر بالجانب الأكبر من الأرباح التي تحققها في زمن الازدهار، بينما تهرب وتغلق أبوابها في وجه الأطراف الأضعف عندما تحدث الأزمات، أي أن مردود العولمة على الدول النامية سلبيا في كلتا الحالتين، لأن الأضعف هو الخاسر دائما، وربما لهذا السبب هناك من يشك في أن يكون وراء ضرب مركز التجارة العالمي في نيويورك منظمات مناهضة للعولمة، وأن ما يسمى بالإرهاب الإسلامي بريء منها. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا