من يشتري بضاعة لا ربح فيها في سوق كاسد؟ كان أمام الشارقة خيار ان تغلق سوق الكتاب في سنواته الاولى عندما شعرت ان القلوب تغيرت نحو لغة الكمبيوتر، وان الزمن المقبل هو لجيل لا يدين ولا يعترف بقدرات الكتاب كما دلت المؤشرات والظواهر في السنوات الماضية. مسلك سهل كان سيكتب لها أبسط صور الربحية وذلك في ألا تخسر اكثر لكن حاكمها المثقف اختار الخيار الآخر، وهو ان تحمل الامارة ضريبة اسم الثقافة الذي ارتبط بها واصبح هويتها وقدرها، فتحملت عبء الخسارة المحسوسة، في محاولة ان تصنع من خلال تكرار تجربة المعرض فسحة أمل نحو حال افضل قد يأتي يوم ما للكتاب وأهل الكتاب. اختارت التعب، وركبت الصعب وحملت مفتاح الصبر، والنتيجة ان معرض الشارقة للكتاب اصبح علامة من علامات دولة الامارات المضيئة، له مكان بارز ضمن خارطة الاحداث الثقافية الهامة على مستوى الوطن العربي، وايضاً أخذ الصبغة الدولية، فأصبح مناسبة لكل الاجناس وكل اللغات، تلتقي فيه كل عام، وعمر المعرض اليوم عشرون عاما. تصوروا ما أطول الرحلة! قد تكون حسابات الخسارة كبيرة في لغة المعارض ومتطلبات التنظيم، لكن الذي ربح هو الانسان، تعود ان يسمع صدى هذا الزخم من الكتب والناس والاحتفالية، وتعود ان يذهب ويشارك، وتعود ان يشتري ولو قليلاً من الكتب، وتعود ان يقرأ ولو صفحات معدودة والعادة كبرت معه، أصبحت جزءاً منه، اي ان الكتاب اصبح له وجود في حياته وكوّن جانباً من شخصيته واهتماماته. وصناعة فكر وثقافة الانسان قد تكون من اصعب المهام، خاصة اذا كان هذا الانسان في مثل تركيبة الشخصية العربية، وما افرزه فيها هذا الزمن من عقد ومشكلات ارتبطت بالقهر والخوف والتخلف وغيرها من أزمات فرضت عليه، كذلك ظروف الحياة الصعبة في كل متطلباتها. نجح معرض الشارقة للكتاب في ان يحافظ على الكتاب، وان يعطي هذه الصنعة الامل في الاستمرارية والتطور، ونجاحه الاكبر في توفير البيئة وصناعة الانسان القارئ. ذكريات الكتاب عندما تأتي مناسبة «نوفمبر» يتذكر الانسان انه بدأ فيه عام جديد، يشعره هذا اللقاء بحجم الوله الذي يسكنه للكتاب، والثقافة وأهلها، ان سنوات هذا المعرض هي مسيرة حياته ايضاً، فيها بعض عمره وأحلامه. اتذكر: دخلته شاباً قبل الجامعة، اشتريت كتاباً او اكتفيت بالفرجة والحسرة لأنني لم احمل نقوداً عندما جئت اليه اول مرة. كيف كرّت السبحة بعدها، في السنة التالية، والثالثة، وفي مرحلة الجامعة لا ننقطع عنه، نهرب من الدراسة نحوه، وفي نهاية الاسبوع نقضي كل صباحات ومساءات ايام العطل بين جنباته. في سنوات كنت اختار الكم، وفي اخرى اعود محملاً منه بأكياس خفيفة لكنها مكلفة الثمن. اعوام سجلت فيها ان اسعار الكتب غالية واخرى لا اجد فيها جديداً، واياماً كنت اهتم بفعاليات المعرض وأنسى المعرض، فترات كنت ابحث فيه عن الكتب السياسية، ودورات اهتممت فيها بالاعلام، وفي حالات كنت لا اشتري سوى الروايات او الموسوعات. وجاء الزمن الذي يذهب فيه أبنائي الى المعرض، يكملون الرحلة، يبدأون حياة جديدة في عالم الوراقين والذكريات مع الكتب. حياة حافلة كبر فيها المعرض كثيراً، تغير مكانه، وتغير الزمان علينا فيه، غابت عنه وللأبد وجوه عزيزة كنّا نشاهدها في العام مرة واحدة، هذه المرة هي يوم اللقاء فيه. ووجوه شغلتها الدنيا وما عادت تحضر له او تتذكر مناسبته ووجوه غريبة وكثيرة تطالعها لأول مرة، طلع جديد يتغير ويزداد كل عام انه ثمرة هذا العصر، يسعدك ان ينجذب نحو هذا المكان الجميل. بعد غد الاحد، تفتح ابواب معرض الشارقة الدولي للكتاب، يبدأ عام جديد. فما أسعدنا بالكتاب وما أجمل العودة لعالمه. كل عام وأهل الكتاب بخير. Email:Shmitrif@hotmail.com