خلال أقل من اسبوع استقبلت الخرطوم ثلاثة زوار احدهم رئيس دولة. فما ان غادر نائب وزير الدفاع الفرنسي حتى وصل نائب وزير الخارجية الامريكي، وما ان انتهت الزيارة الامريكية حتى وصل رئيس سوريا د. بشار الاسد. ورغم ان الغرض المباشر لكل من هذه الزيارات كان سياسيا الا ان الهدف غير المباشر كان اقتصاديا وتجاريا. على ان المغزى المشترك والاهم لهذه الزيارات هو انها تؤشر لمدى التجاوب الخارجي مع التغيير الانقلابي الذي طرأ على موجهات السياسة الخارجية للسودان والذي لاحت بوادره منذ ثلاث سنوات. فلماذا وكيف جرى هذا التغيير الكاسح؟ طبيعة التغيير هي تحول جذري وشامل للرؤية السودانية الرسمية للعالم الخارجي من منظور ايديولوجي احادي وتعصبي الى منظور براجماتي ذي مرونة وتحرر من الجمود، وبما ان هذا التغيير تبلور في شكله النهائي عقب الانشقاق الحاسم الذي وقع على المستوى القيادي السياسي الاعلى للحزب الحاكم (الجبهة الاسلامية القومية سابقا) واسفر عن دحر جناح د. حسن الترابي واقصائه عمليا من جهاز السلطة، فان التغيير على صعيد السياسة الخارجية يجب ان يعتبر تحريرا للسلطة السودانية من «الدوغماتية» الترابية. وما ان برز الى الوجود الحزب الحاكم الجديد باسم «المؤتمر الوطني» بعد انقشاع غبار المعركة الداخلية حتى انكبت العناصر القيادية للحزب على مراجعة كل التوجهات التي حكمت مسار الدبلوماسية السودانية بغرض استنباط توجهات جديدة على اساس مبدأ «المصالح اولا». وبعد ان اجيزت التوجهات الجديدة ايذانا بوضعها موضع التطبيق طرأ سؤال: كيف يمكن اقناع العالم بأن الدبلوماسية السودانية اتخذت لنفسها هوية جديدة مختلفة تماما عما سبق؟ وكانت الاجابة هي: الاقتراب من المجتمع الدولي، ابتداء من العالم العربي، عبر القاهرة هو افضل وسيلة عملية. وهكذا، وانطلاقا من تسوية القضايا الخلافية المعلقة على الصعيد الامني الثنائي، اخذت العلاقة السودانية المصرية تسير على طريق شراكة استراتيجية هي التي مهدت لترميم علاقات السودان المتأزمة مع دول عربية اخرى ابرزها الكويت والجزائر وتونس. والقناة الدبلوماسية المصرية هي التي ايضا فتحت الطريق لتحسين علاقات الخرطوم مع واشنطن. لكن هناك عاملا آخر وفر للحكومة السودانية ورقة مهمة للتحرك المثمر في الساحة الدولية ـ ورقة النفط. لقد كانت الولايات المتحدة تعارض بشراسة اي تطوير للثروة النفطية الكامنة في السودان، وفي هذا الاتجاه حظرت واشنطن على شركات النفط الامريكية الاستثمار في مشروع النفط السوداني. لكن السودان اتجه صوب شرق آسيا. وكانت النتيجة النهائية هي دخول السودان النادي النفطي بمساعدة من الصين اساسا الى جانب مشاركة من ماليزيا وكندا. ولقد اضطرت الولايات المتحدة للتجاوب مع الوساطة الدبلوماسية المصرية لتطبيع العلاقات الامريكية مع السودان، بعد ان اكتشفت واشنطن ان العلاقات السودانية الصينية اخذت تتصاعد سريعا الى مستوى تحالف استراتيجي تنعكس اهميته في مشروعين عملاقين سودانيين اقيما بعون صيني، هما مصفاة نفطية ومصنع للانتاج العسكري .. وكلاهما يحقق للسودان درجة من الاكتفاء الذاتي في المحروقات والاسلحة الخفيفة. وبلغت السياسة البراجماتية السودانية ذروتها في النجاح المرحلي عندما اتخذ مجلس الامن الدولي الشهر الماضي قرارا برفع العقوبات الدولية عن السودان، دون ان تعارض الولايات المتحدة. فقد كان القرار ايذانا بازالة الحرج عن الدول الراغبة في الدخول في علاقات استثمارية مع السودان. ومن ثم صارت الخرطوم قبلة لوفود تلو وفود من انحاء العالم كما نرى.