للسلام أنواع وأشكال، فهو مثلا يستخدم للتحية كما في حالة المسلمين أو اليهود «شالوم» ويستخدم للتعظيم والتكبير لأصحاب المكانة الرفيعة وخاصة في الأفراح الشعبية حين يطلب أحد الأشخاص من الفرقة الموسيقية أن تضرب سلام مربع، وهناك سلام عباد الرحمن اذا خاطبهم الجاهلون، وهناك سلام باليد وسلام بالعين وسلام على القفا، ثم أن هناك أنواعا من السلام الزمني مثل السلام الدائم والسلام المؤقت والسلام المرحلي، وأنواعا من السلام المرتبط بالطقس مثل السلام الحار أو الجاف أو الممطر، والسلام الدافئ أو العاصف، والسلام البارد، وهناك سلام صوفي يبحث عن سلام العقل وسلام الروح وسلام الجسد، وفي القانون الدولي هناك مؤتمرات السلام ولجان السلام ومبادئ السلام .. الخ الخ. إلا أن أشهر أنواع السلام هو سلام القبر، وهو ما لم تنتطح فيه عنزتان، سلام حقيقي لا شبهة فيه ولا احتيال، لذلك يقولون للميت بالانجليزية.!Rest in Peace مريض الوهم والانسان أمام هذه المائدة الحافلة بصحون السلام المتنوعة، مخير حينا ومسير أحيانا كثيرة، فالمريض لا يستطيع أن يأكل أي صنف على هواه، فهناك أنواع ممنوعة وأنواع لا يأخذ منها إلا بحذر وقدر، لكنه يستطيع دائما أن يأكل «المسلوق»، فالاختيار إرادة، والمريض إرادته منقوصة أو مسلوبة، لذلك فقدرته على الاختيار محدودة بامكانياته الصحية ومدى نشاط الفيروس ومدى فاعلية جهاز المناعة وشروط الطبيب وكفاءته في التشخيص. واذا كان ما تقدم صحيحا في حالة المريض الحقيقي، أي الذي يعاني عجزا معينا نتيجة لأسباب خارجية، فهل يصح ذلك في حالة مريض الوهم؟ أي ذلك المريض الذي يعاني من العجز لأسباب تنبع من داخله؟ إن الاجابة على السؤال السابق تتطلب بحثا عميقا في كتب علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ، إلا أن ما يمكن أن نقوله هنا هو ان مريض الوهم أصعب حالة من المريض الحقيقي، لأن الأخير يمكن تشخيص دائه وتوجيه العلاج المناسب ووضع خطة زمنية لشفائه، والأهم من ذلك أن لديه بعض الارادة والوعي الذي يمكنه من المقاومة والاصرار على الشفاء، بينما يستحيل تشخيص داء الوهم، أو معرفة أنسب علاج لحالته، ولا يمكن لأي خطة أن تتمشى معه، وهو فاقد للارادة أسير للتصورات لا يرى الأشياء في أبعادها الحقيقية أو المعقولة. والانسان قد يكون فردا أو مجموعة من البشر أو أمة أو مجموعة من الأمم، وكما أن المجتمع هو نتاج حركة الفرد في علاقاته مع الآخرين، فإن الفرد هو نتاج حركة المجتمع في تراكماته القيمية التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية .. الخ، فعندما يمرض الفرد تصيب عدواه المجتمع، والعكس صحيح تماما. فما هو السلام المتاح أمام مريض الوهم؟ يرى بعض الفلاسفة أن ما يكفيه هو سلام التحية، فهو لن يفهم سلاما آخر غيره، فالسلام الحار يؤذيه، والسلام البارد لا تحتمله صحته، وسلام العقل غير متوقع في حالته، وسلام الجسد مشكوك فيه، ويضيف هذا الجانب الفلسفي سلام عباد الرحمن باعتبار أن مريض الوهم من الجاهلين. وبالرغم من وجاهة هذا الرأي واستناده الى اعتبارات نظرية سليمة، إلا أنه يفتقد الحس الانساني في نظر أصحاب الرأي الثاني الذي يرى أن أفضل سلام يناسب حالة مريض الوهم هو سلام القفا، باعتبار أن هذا النوع هو خطوة على طريق الشفاء، لأنه قد يفيق من هلوسته بتلك الصدمة، وهو يحتاج من ناحية أخرى الى نوع من السلام المؤقت حتى يسترد عافيته ويقدر عاقبة أفعاله ويصبح مسئولا عن تصرفاته. وهذا الرأي يعارضه جانب كبير من فقهاء السياسة، ويرون أنه نوع من التهريج الخطير الذي يمكن أن يودي بحياة المريض أو يفقده الوعي الى الأبد، لذلك فهم يرون أن أنسب أنواع السلام لذلك المريض هو السلام المربع لارتباطه بالوجاهة والأبهة بما يرفع الروح المعنوية للمريض ويعطيه الثقة في نفسه وامكانياته، ولا بأس عند هذا الرأي من أن يكون السلام باردا، لأن تلك البرودة تدفع الانسان للبحث عن الدفء، وبالتالي للحركة الواعية، وهو ما يعني الشفاء وصولا الى السلام الدائم، وأقرب الوسائل الى ذلك هي مؤتمرات السلام بغض النظر عن نتائجها، لأن الهدف هو السلام المربع الذي تضربه الفرقة الموسيقية في المطارات وفي قاعات المفاوضات. ورغم أن اتجاهات الرأي التي سبق عرضها تستنفد تقريبا كل أنواع السلام المتاح، إلا أن هناك فريق من الدراويش ظهر مؤخرا بنظرية جديدة للسلام تقوم على سلام الروح، ففي هذا النوع يعتزل الانسان الواهم كل ما يعكر شعوره بالسلام، فليست المشكلة هي استعباد الجسد، وإنما المأساة هي استعباد الروح، وعندما يحل سلام الروح يعتدل الكون وتصبح كل الأشياء القبيحة جميلة وكل الأشياء غير المقبولة مطلوبة، فمريض الوهم هنا يشفى بشرط أن تتحرر روحه بغض النظر عن أي شروط أخرى مفروضة عليه سواء بحكم الواقع أو بحكم الآخرين. وقبل أن ننتهي من استعراض هذه النظريات المختلفة، لا يفوتني أن أشير الى أن هناك نظرية ينفرد بها بعض المحدثين أمثال بنيامين نتانياهو واسحاق شامير وايريل شارون ومن على شاكلتهم، وهي نظرية سلام القبر باعتباره راحة لمريض الوهم من كل شر، فذلك هو السلام الدائم الذي لا دوام بعده، وتلك هي الراحة الأبدية التي لا يعرفها إلا من ذاقها، فمريض الوهم في اطار هذه النظرية ليس إلا ميتا، والميت لا يتكلم، ونتانياهو وأمثاله هم الورثة الحقيقيون لذلك الميت، ومؤتمرات السلام ليست إلا سرادقات لتأكيد هذه الحقيقة ووضع لمسات التأبين المناسبة وإحكام الكفن بوثائق رسمية، وقد تزايد أتباع هذه النظرية مؤخرا وأضافوا اليها سلام الواقع الذي هو باختصار أنه ليس في الامكان أبدع مما كان، وكفى الله المؤمنين شر القتال. السلام الحقيقي وفي حقيقة الأمر لا أدري لماذا تغافل معظم هؤلاء عن نوع من السلام يعتبر أقوى وسائل العلاج لحالة مريض الوهم، وأعني بذلك سلام القوة الذي يستند على العدل، وهو سلام بين أكفاء وليس كالحالات السابقة مجرد عقد إذعان أو شهادة وفاة، وهذا النوع من السلام رغم صعوبته إلا أنه الأصلح والأبقى، وقد يتطلب زمنا واعدادا ومعاناة، لكنه يؤدي الى نتائج محققة، فلأن الواهم مريض، فهو أحيانا لا يدرك عناصر القوة التي يمتلكها أو كيفية التنسيق بينها وتوجيهها بما يحقق مصالحه، لذلك فواجب الطبيب هو أن يبصر المريض بشكل دائم الى تلك العناصر ويدفعه دفعا الى تنميتها ويغذي فيه الشعور بالثقة بالنفس والاعتماد عليها، لأن المرض كما ذكرنا ليس فيروسا خارجيا عن المريض وإنما سرطانا داخليا يأكل خلايا الإرادة، وليس للطبيب هنا أن يقتل المريض كي يريحه من الألم لأنه سيعاني في موته أضعاف ما عاناه حيا، فالحي الذي يقاوم أفضل ألف مرة من ميت يمثلون بجثته، وعذاب القبر أشد هولا من عذاب المرض. إن الاستسلام لأنواع السلام المخدر يشبه الحقنة المخدرة التي قد تخفف من آلام المريض لكنها لن تشفيه أبدا، فليس هناك سلام بارد وسلام حار، والسلام المربع هو زفة الأمم المنقرضة مثل الهنود الحمر، وليس هناك سلام للروح إلا في يد بارئها. ولا يكفي القدر المتاح كي أروي عن قصص الانسان في المقاومة والصمود، فتاريخ البشرية كله هو هذه القصص، فلو استسلم الانسان لسطوة الطبيعة ما تقدمت البشرية خطوة واحدة، ولو اختبأ الانسان في كهفه خوفا من الوحوش لما وضعنا اليوم هذه الوحوش في الأقفاص نتفرج عليها.. لقد كان أشهر من آمن بنظرية سلام القبر هو أدولف هتلر .. وكلنا نعرف مصير هتلر!! السلام العادل لابد أن يستند على القوة، والقوة لها عناصرها، ومن لا يمتلكها اليوم فعليه أن يعمل على استكمال عناصرها أولا، وإلا سلبت منه العناصر التي يملكها حاليا بحيث لا يبقى له إلا سلام القبر. وفي النهاية أذكركم أن الهنود الحمر تفاوضوا مع الفاتح الأبيض كي يحصلوا على السلام بأي ثمن، والآن هل يستطيع أحد أن يدلنا أين هم الهنود الحمر؟ وسلام على من اتبع الهدى .. ـ كاتب مصري