«الاسكا» اسم يتردد .. بالأدق يطفو على سطح الاهتمامات والاحداث كلما واجهت الولايات المتحدة الامريكية أزمة على المستوى القومي، وخاصة في مجال الاقتصاد، وبالأخص لدى الحديث عن قضايا البترول والغاز.. الاسعار والامدادات والمصادر وآفاق المستقبل. ورغم ان «الاسكا» وهي الولاية المجللة بالضباب وقارسة البرد والجليد في الأصقاع الشمالية المتاخمة للحدود الكندية من الولايات المتحدة لا تمثل باستمرار ثورة الاهتمام لدى الحديث عن قضايا الشأن العام، الا ان الولاية الشمالية الباردة استطاعت ان تبعث الى العاصمة واشنطن بعناصر جمة النشاط أمكنها بدورها ان تشكل ما يمكن وصفه حاليا بأنه «لوبي الاسكا» الذي يضم في الأساس ممثليها من نواب وشيوخ في مقاعد الكونجرس.. ويضاف اليهم خبراء السياحة (الصيفية بالذات) ومعهم ايضا ممثلو شركات وخدمات النفط والغاز العاملة في الولاية المذكورة. نجمتان جديدتان ان «الاسكا» عضو حديث الانضمام نسبيا الى دولة الولايات المتحدة في امريكا الشمالية عمر انضمامها نحو 4 عقود من الزمن ليس الآن بالتحديد في 4 يوليو من عام 1960 أضيف الى العلم الامريكي بنجومه الشهيرة نجمتان: الأولى ترمز الى الاسكا (الولاية الخمسون) والثانية ترمز الى هاواي (الولاية الحادية والخمسون)، وكان العلم قد ظل على مدى 48 عاما لا يحمل سوى 48 نجمة منذ عام 1912 على وجه التحديد أكثر من هذا: الاسكا ـ بجلالة قدرها ـ لم تكن شيئا مذكورا من قبل بل هي أرض ـ ولاية ـ مشتراة بالمال لم يزد ثمنها على ثمن بناية متواضعة في احدى الضواحي، وهو بالتحديد كذلك 7 ملايين و200 ألف دولار لا أكثر وكان ذلك عام 1867 وقد اشترتها امريكا من روسيا، العقل الامريكي مفطور في رأينا على حكاية البيع والشراء كل شيء له ثمن وكل مكسب له مقابل وتاريخ الاتحاد الامريكي فيه أكثر من صفقة تم في اطارها شراء قطعة هنا واقليم هناك من أرض الوطن.. فقد تم شراء جزيرة مانهاتن، قلب نيويورك النابض مقابل الهنود الحمر الاصليين، وتم شراء ولاية لويزيانا الجنوبية عام 1804 من فرنسا، وكان البائع هذه المرة امبراطورها الأشهر نابليون بونابرت الى ان اكتملت الصفقات بشراء الاسكا لتنضم الى امريكا الدولة وليس امريكا الارض، إذ تفصل بينهما أقاليم كندا الجارة الوحيدة في قارة امريكا الشمالية وربما كان في هذه الحقيقة ما جعل ولاية الاسكا بمثابة مخفر أمامي لأمريكا الأم يفضي الى القطب الشمالي والمنطقة المتجمدة الشمالية من الكرة الارضية، وهو ما جعلها موئلا لمحطات الرصد الراداري الالكتروني التي تعد من أهم حلقات الأمن القومي الأمريكي. حديث الأمن الاقتصادي لكن حديث الأمن الذي يتردد حاليا بشأن ولاية الاسكا إنما يتعلق بالأمن الاقتصادي بالدرجة الأولى، وخاصة في اطار أوضاع ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 المأساوية. ويركز حديث الأمن الاقتصادي على جانب النفط والغاز الطبيعي في غمار الاصوات التي ترتفع بين حين وآخر تدعو الى تأمين الامدادات النفطية وتلح على ما يسميه البعض بـ «تقليل اعتماد الاستهلاك المحلي الامريكي على الواردات الآتية من مثل هذه السلع الاستراتيجية من وراء البحار. في خضم هذه الأحاديث والدعوات سيرتفع ايضا صوت «لوبي الاسكا» مشيدا ـ من وجهة نظره ـ بوعود احتياطياتها من النفط والغاز ومتمدحا بميزات التنقيب والتعدين والاستخراج التي تعد بها الولاية القطبية الشمالية في هذا المضمار. ونحسب ان مثل هذه الدعوات من تزويق الامكانات واطلاق الوعود المشبعة بالامنيات الاقتصادية، العذاب، هي أقرب الى ستائر الدخان التي تقصد الى التأثير على أسواق النفط والغاز العالمية وكأنما نقول للقوى المعنية بتلك الاسواق: خفضوا من غلوائكم وشروطكم: ففي الاسكا ما يكفي أمريكا ويزيد. لكن الصورة لها وجه آخر مغاير تماما لتلك الوعود. وبين يدينا دراسة مهمة تحذر من الانسياق لهذه الوعود وتقارنها بأيام وعود البحث عن الذهب في كاليفورنيا منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتعرف في حوليات التاريخ الامريكي الحديث باسم «اندفاعة الذهب» وقد كسب منها البعض ولكن خسر فيها آخرون أموالهم وأعمارهم، بل وعقولهم في بعض الاحيان. اندفاعة الحمقى لا عجب ان تقول الدراسة التي نعنيها ان الاندفاعة بحثا عن بترول الاسكا الموعود هي اندفاعة الحمقى وان وعود الاسكا النفطية وعود زائفة لا تكاد تستحق الاهتمام على ان هذه الدراسة التي نحيل اليها في هذه السطور تكتسب أهميتها من واقع عوامل ثلاثة هي: 1ـ انها منشورة في مجلة «فورين افيرز» (عدد أغسطس 2001) وهي المطبوعة المشهود لها بقدر كبير أو فلنقل معقول من الرزانة والرصانة العلمية. 2ـ انها من اعداد اثنين من الباحثين الاستشاريين الثقات في مجال اقتصاديات الصناعة النفطية، أحدهما أموري لوفنز اختصاصي في مجال الفيزياء والثاني هنتر لوفنز (ولعلهما شقيقتان) محام واستاذ في العلوم السياسية. 3ـ إن الدراسة صادرة من قبل أحداث سبتمبر المعروفة، بمعنى انه لم يتم اعدادها ولا تعميمها وسط ظروف التوتر، المحموم احيانا، التي قد تؤثر على ما يطرحه الباحثان من مقولات وما توصلا اليه من أحكام. جوهرة التاج الأمريكي تبدأ الدراسة بمقولة نراها مهمة يؤكد فيها الباحثان ان لوبي النفط في الاسكا يلجأ دوماً الى استغلال أي ارتفاعات نظرا لأسباب اقتصادية أو غيرها على أسعار النفط العالمية لكي يدير اسطوانته المكرورة التي يقول فيها: الحل عندنا والاسكا، والترياق الشافي هو زيادة الاستثمارات (بالمليارات) في مجالات الحفر والتنقيب، وبالذات في السهل الساحلي المطل على المنطقة القطبية ويعرف باسم الملاذ الطبيعي القومي لأمريكا، ويطلق عليه علماء البيئة وأنصار الحفاظ عليها الوصف التالي: «انه جوهرة التاج الثمينة للحياة الصيفية لأمريكا وهو وطن شعب الجوشين من السكان الأصليين في تلك المنطقة النائية الفريدة من العالم، المهددين بالانقراض. والمعنى ان استغلال هذا السهل الساحلي القطبي لأغراض الحفر واستخراج النفط معناه أولا تدمير التوزان الايكولوجي ـ البيئي ـ في تلك المنطقة، ومعناه ثانيا حرمان امريكا من أكبر ملجأ للحياة البرية الطبيعية يمثل متنفسا لها ولسكانها، ومعناه ثالثا اثارة مشاكل تمس حقوق الانسان العائدة لسكان المنطقة من الشعوب الاصلية وهو ما حرّك بالفعل دعاة حقوق الانسان في كندا، البلد الذي يشارك في الاطلالة على هذا السهل الساحلي الموعود. وليس للباحث السياسي، وهو يطل من منظور غير عاطفي على شتى القضايا ان يصدق بسذاجة حكاية الشفقة العاطفية الملهوفة على سكان أصليين دع عنك ما لهؤلاء البشر من حقوق الانسان.. ان هذه الاعتبارات التي تتصل بالمباديء والاعراق الانسانية كثيرا ما تلقى التجاهل أو التنكّر، واحيانا تجد من يلتفّ حولها أو يغير من حقيقتها، ان جوهر القضية هو ما يؤكده الباحثان من ان هذا السهل الساحلي في الاسكا الذي يراهنون على امكاناته النفطية الحافلة الواعدة لا يحوي في الأغلب امكانيات نفطية يمكن استخراجها بشكل اقتصادي. وحتى لو أمكن ذلك ـ يضيف الباحثان ـ فإن هذا النمط من الاستغلال لن يؤدي كما يدّعي «لوبي الاسكا» الى تقليل اعتماد امريكا على النفط الاجنبي، اللهم الا في حدود عدة نقاط مئوية، يعني بنسبة ضئيلة لا يؤبه بها لا من حيث الحجم ولا من حيث الدلالة أو الأهمية. وفي مجال الغاز الطبيعي ـ تضيف الدراسة التي نحيل اليها ـ تدل المؤشرات على ان الأمر يتطلب انشاء خط أنابيب لنقل الغاز المستخرج من الاسكا ولكن تكاليفه سوف تزيد على عشرة مليارات من الدولارات وهو ما يجعل الامر يبدو بعيدا عن الناحية الاقتصادية في الأساس. بعد ذلك تضيف دراسة «الغوريف أفيرز» قائلة: ـ الذين يتصورون ان أي امدادات محلية من النفط هي اكثر ضمانا وأمنا من النفط المستورد، عليهم ان يتذكروا ان الاحتياطيات النفطية في أي مكان من العالم يسهل الوصول اليها ويتيسر أمر شحنها وتسليمها على نحو أضمن من نظيرتها التي تحويها المنطقة القطبية الشمالية. ان استيراد النفط المشحون على متن الناقلات والمجلوب من السوق العالمي بكل مصادرها المتنوعة أمر أفضل من حيث أمن الطاقة من توصيل النفط أو الغاز من سهول الاسكا القطبية عبر خط أنابيب وحيد يسهل ان تمتد اليه يد التعطيل أو التخريب فيما يصعب أمر اصلاحه واعادة تشغيله. إعادة تصميم السيارات ولن يفوتنا ملاحظة تركيز هذه الدراسة على جانب تراه مهماً في مضمار تقليل استهلاك النفط ومن ثم خفض اعتماد امريكا على الاستيراد، هذا الجانب ببساطة هو: ـ اعادة تصميم السيارات، مركبات الاحتراق الداخلي عموما. في هذا الصدد يقف الباحثان بمنطق الاشادة عن حقبة كارتر، الرئيس الامريكي الأسبق، الذي تكال الى عهده اتهامات بأنه أودى بالاقتصاد الامريكي الى هاوية التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والتخبط في غمار عدم اليقين بحيث نضبت تدفقات الاستثمار وأصابت سوق العمل بآفة الكساد. على العكس، تقول الدراسة ان أهم ما كان يميز حقبة كارتر والسنوات الخمس التي تلتها (وهي ولاية الرئيس ريجان الأولى) انخفضت واردات امريكا من نفط الخليج بنسبة 87%، وفي هذه المرحلة انخفضت واردات امريكا النفطية عموما (من شتى المصادر والأسواق الخارجية بنسبة 42% أو بمعدل 3.74 ملايين برميل يوميا.. وكان السبب في هذا الانخفاض في الاستهلاك هو انتاج سيارات أفضل كفاءة (بمعنى اقتصاد) في استهلاك الطاقة حيث كانت تلك الكفاءة مستمدة من عاملين: ـ الأول أساسي ونسبته 96% وهو اعادة تصميم محركات الاحتراق الداخلي لكي تستهلك كميات أقل من البنزين. ـ الثاني فرعي ونسبته 4% وهو انتاج سيارات أصغر حجما (كانت اليابان قد سبقت الى انتاج هذا النوع من السيارات وتوازت معها في هذا الانتاج أوروبا.. وهو ما شكل منافسة لغير صالح سيارات امريكا الفارهة الفاخرة التي طالما كانت تصول وتجول بأحجامها غير العادية في أفلام جيمس بوند واضرابه من منتوجات هوليوود. الدعوة تتكرر إذن الى استكشاف استخدامات أكفأ وأوفر اقتصادا وصونا للموارد في مجال استخدام الطاقة النفطية بالذات.. وفي هذا المجال تقول الدراسة ان المراهنة على نفط الاسكا وخاصة من سهلها الساحلي النفطي الموعود كبديل كما يدّعي المراهنون عن امدادات النفط من الشرق الأوسط مراهنة لن تجدي فتيلا. ثم تضيف الدراسة قائلة بالحرف: ـ بعد عشر سنوات (مثلا) من الحفر والتجهيز من المحتمل ألا يسفر الأمر في الاسكا سوى عن كميات متواضعة من النفط، ولن تشكل في مجموعها سوى أقل من واحد (يتيم) في المئة من مجموع الاحتياجات النفطية المتوقعة للولايات المتحدة، ناهيك عن تكاليفها الباهظة التي لن تكون اقتصادية أو مجدية بحال من الاحوال (اذا ما قورنت بالبديل الخليجي أو الشرق أوسطي أو غيرهما). لعبة الروليت النفطية لا عجب ان يرفض الباحثان أموري وهنتر لوفنز النظر الى نفط الاسكا القطبية بوصفه بديلا عن بترول الشرق الأوسط أو بترول المصادر العالمية الأخرى، بل هما يعدان هذه النظرة بمثابة الاقدام على مخاطرة غير محسوبة ولا مأمونة العواقب بالنسبة لمستقبل احتياجات النفط في امريكا.. ومن ثم يطلقان على هذه العملية وصفا مرتبطا بلعبة المخاطر الجسيمة وهو: ـ الروليت النفطية. والاشارة هنا الى لعبة الروليت الروسية التي يصوب فيها المقامر مسدسا دوّارا الى دماغه وقد حشوه برصاصة واحدة.. وان ضغط على الزناد تحركت ساقية من دوارة المسدس.. وقد تكون فارغة من الرصاص فاذا بالمذكور وقد ربح الرهان، وقد لا يكون الأمر كذلك، فاذا به يخسر رهان حياته ذاتها! أخيرا تطالعنا الدراسة التي عرضنا لها بعدة بيانات نراها جديرة بأن يستوعب كل المهتمين بالشأن العام في وطننا العربي دع عنك المختصين بالمتابعة والقرار في مجال النفط.. الصناعة والاقتصاديات والتطورات.ان كاتبي الدراسة يفنّدان مقولة الحث على استكشاف وتعدين نفط الاسكا بدعوى تقليل اعتماد امريكا على نفط الأوبك (يلاحظ اشتداد هذا النوع من الدعوات سواء في ضوء الأوضاع الراهنة المحفوفة بالتوتر أو استباقا لاجتماع منظمة الأوبك المنتظر في سياق شهر نوفمبر الحالي. تشير البيانات الى التالي: ـ رغم ان واردات امريكا قد زادت حتى فوق الذروة التي كانت قد بلغتها عام 1977، الا ان حصة الأوبك من هذه الواردات انخفضت بمقدار الثلث. ـ وان ربع ما تستهلكه امريكا حاليا من امدادات النفط هو الذي يأتي من الدول الأعضاء (أوبك) والباقي تحصل عليه امريكا من أسواق دولية متنوعة في مقدمتها ـ كما تؤكد الدراسة الامريكية ـ دول نصف الكرة الغربي التي مازالت تحفل بامكانات مستقبلية من حيث التوسع في امدادات النفط والغاز على السواء. الدرس البسيط المستفاد من مثل هذه البيانات يقول: ـ ان المستهلكين قد أدركوا أهمية تنويع المصادر وما برحوا يتحسبون لأي احتمالات ينطوي عليها المستقبل.. فهل يفعل المنتجون الشيء نفسه وهم الأقوى، رغم كل شيء عند الطرف الآخر من المعادلة؟ ـ كاتب سياسي من مصر