لا اذكر أين قرأت، أو حتى سمعت، هذه الحكاية الرمزية الساخرة التي تقول: سأل طفل أباه: لماذا تصيح الديكة يا أبي؟ فقال تصيح الديكة عندما تسمع أحداً يكذب، فتكشف بصياحها عن كذبه. ولم يكتف الطفل بهذه الإجابة، فسأل أباه: ولكن لماذا تصيح الديكة في الصباح يا أبي؟ فقال له الأب: لأن هذا وقت صدور الجرائد.. مرت سنوات طويلة منذ أن سمعت هذه الحكاية التي ظللت أتذكرها كلما رأيت جريدة تنشر أخبارا كاذبة، أو تتعمد نشر أخبار ملفقة، وذلك لأسباب عديدة، أهمها في عالمنا العربي السياسة التي تدفع الى نفاق الحاكم الباطش الظالم، والكذب على المحكومين لخداعهم وإبعادهم عن معرفة حقيقة الوضع الذي يعيش فيه بلدهم. وهناك أكاذيب أخرى بالطبع، يمكن أن تمتلئ بها إجابات مماثلة تتحدث عن عائلتها الكريمة، ابتداء من جدها الباشا، وانتهاء بالضياع التي ضحت بها عندما اختارت الفن، واضطرت الى الخروج على تقاليد أهلها، والتضحية باسم الأسرة العريقة وميراثها من أجل عيون الفن، مع أن الذين يعرفون تاريخ هذه الممثلة جيدا يعرفون أمها التي كانت تخدم في البيوت، وأباها الذي كان يبيع اليانصيب على المقاهي. وحال هذه الممثلة الكاذبة حال الصحيفة التي تكذب من أجل مصالحها السياسية الضيقة، وذلك في نوع من العهر الذي لا يميز بين السياسة أو الأخلاق الفردية، خصوصا من حيث النتائج التي يؤدي اليها، أو الفساد الذي يكشف عنه. وأحيانا يكون الكذب غير متعمد، ولا يكتبه صاحبه في صحيفة مع سابق العلم أو الاصرار والترصد. ويحدث ذلك عندما يكون الكاتب مخدوعا، وقع تحت سيطرة أجهزة الدولة الايديولوجية، أو انخداع بالشعارات البراقة التي تحيط به، والتي تتلبس بالصدق، أو تبدو كما لو كانت في الحقيقة، مع أنها أبعد ما تكون عن الحقيقة والصدق، ومثل هذا النوع من الكتاب يكون صادقا في إيمانه، مخلصا للأفكار التي انخدع فيها، فيندفع مع تصديقه الى درجة الحماسة الانفعالية التي يتخدر معها العقل فلا يكون قادرا على تمييز الصواب من الخطأ، وتكون النتيجة أن يكتب هذا الكاتب عن أكاذيب يتصور أنها حقائق، وعن أوهام يتصور أنها وقائع، مستبدلا دون أن يدري كتابة المخادعة غير المقصودة بكتابة الحقائق غير المشكوك فيها. ولا يكتشف مثل هذا الكاتب وضعه إلا بعد فوات الأوان للأسف، ومع حدوث كارثة كبرى، أو هزيمة ساحقة، تتهاوى معها الأوهام، وتتكشف الأكاذيب، وتبدو الحقيقة المرة عارية كالواقع الذي يصفع الكاتب المخدوع بقسوته وجهامته، فيبدو هذا الواقع كما لو أنه يعاقب هذا الكاتب على استسلامه - حتى غير المقصود - للخداع الايديولوجي الذي وقع في شباكه. وقد يصحو مثل هذا الكاتب على بشاعة ما حدث له، ويستيقظ ضميره الحي، فيعلن ندمه على ما فعل، ويكتب عن الأكاذيب التي عاشها بوصفها حقائق، ناقدا نفسه، مدينا سلوكه على رؤوس الأشهاد، أو على صفحات الجرائد التي سبق أن سطر على أوراقها أوهامه. ولكن هذه الحالات من صحوة الضمير استثنائية، ولا تحدث إلا مع ذوي الضمائر المرهفة الذين يعرفون أهمية الكتابة، ويدركون الدور الخطير الذي تقوم به الصحافة في حياة الأمم.. وللأسف، فنحن نعاني حالة فقر واضحة لا نجد معها أمثلة تعد على أصابع اليد الواحدة في ثقافتنا العربية الحديثة، فما أكثر الذين يتلونون كالحرباء مع كل عهد، ويرتدون لكل زمن الرداء الذي يناسبه، وينطقون أو يكتبون لكل حاكم ما يرغب هذا الحاكم أن يسمعه أو يقرأه. وشعار أمثال هؤلاء: المنفعة المادية أولا، ورضاء الحاكم وعطاياه ابتداء، ولتذهب الحقيقة الى حيث ألقت رحلها أم قشعم، ولتذهب المبادئ الى أودية النسيان، فالمهم هو الصعود السريع، ورضا الحاكم وأصحاب المصالح الحقيقية. والعلاقة بين الكتابة والتجارة علاقة وثيقة لدى هذا النوع من الكتاب الذين يحيلون الصحف الى متاجر للبيع والشراء، أو يحيلون صفحاتهم أو أعمدتهم الى (دكاكين) للتجارة، وأعرف من هؤلاء طائفة غير هينة في الصحافة الثقافية، شعارهم: لو كتبت عني كتبت عنك، ونشرت أخبارك، ولو سكت عني سكت عنك وتجاهلت ما تفعل، أما اذا نقدتني حتى بالحق فلابد من مذمتك والهجوم عليك. هكذا، أصبحت صفحات كثيرة في الصحافة الثقافية وسائل للارتزاق السهل الرخيص، وأدوات للابتزاز الحقير، ومناطق لتبادل المجاملات الزائفة أو تراشق الاتهامات التي لا محل لها من الإعراب. وعادة ما يحدث ذلك عندما يكون الكاتب، أو المشرف على الصفحة الثقافية، ممن أدركتهم حرفة الأدب، أو على وجه الدقة ممن يتوهمون أن حرفة الأدب أدركتهم وأنهم صاروا كتابا، فيستغلون صفحاتهم لترويج ما يحسبونه إنتاجهم الأدبي، ويضغطون بهذه الصفحات لينشروا من خلال دور النشر المتعددة ما يضعهم بين طائفة الكتاب على سبيل التزوير، وما يصل حبالهم الواهية بحبال المسئولين عن دور النشر وغيرها من المؤسسات أقصد تحديدا الى المسئولين من الذين تنعدم ضمائرهم ويتمتعون بخراب الذمم. ويلحق بهؤلاء الصحفيين التجار صنف آخر من المراسلين الصحفيين الذين دخلوا الصحافة من باب الارتزاق غير الكريم. وما يعني هؤلاء ليس الحق أو الحقيقة وإنما الأخبار التي يسيل لها لعاب الصحيفة الباحثة عن كل ما يمكن أن يرفع التوزيع، حتى لو دخلت في باب الفضائح. وأخبار الممثلين والممثلات، وحياة المشاهير، أو حياة كبار الكتاب. وما أبعد المسافة بين الحقائق والأكاذيب في مثل هذا النوع من الأخبار التي يرسلها مراسلو السوء الى الصحف التي يطلبون مالها. وما أكثر حشر الأنف فيما لا يعني أحدا من القراء، ولكنه قد يثير شهية بعض الفضوليين الذين لا يتخيلون مدى الأذى الذي يمكن أن يقع لمن تنشر حولها أو حوله هذه الأخبار. ولا أظن أن هذا النوع يعنيهم هذا الأذى، ما ظلت الساقية الجهنمية لهذا النوع من المراسلين تدور بالكذب. آخر تجاربي الخاصة مع هذا النوع من المراسلين كانت بسبب ما نشرته صحيفة عربية .. وحقيقة ما حدث أن وزيرة الثقافة السورية - مشكورة - دعتني لإلقاء محاضرة في موضوع أختاره، وتكون المحاضرة ضمن أنشطة مهرجان المحبة في مدينة اللاذقية. واخترت موضوع (هل نعيش في زمن الرواية؟!) واتفقت مع الصديق أسعد فضة على يوم السابع من أغسطس موعدا. ومرت الأيام، وحدثت موانع حاسمة خاصة بعملي، دفعتني الى الاعتذار لوزيرة الثقافة السورية وللصديق أسعد فضة. ونسيت الموضوع بعد ذلك، في زحمة العمل، ومر أكثر من شهر، واذا بي ألتقي بصديق يحدثني عن ما فعلته في محاضرتي باللاذقية، فقلت له: ولكني لم أذهب؟ ومن ثم لم ألق أية محاضرة، فاستغرب الصديق، وقال لي: سأرسل لك الدليل على ذهابك، وأرسل لي في اليوم التالي الصحيفة، مفتوحة على الصفحة السابعة عشرة بعنوان (اتجاهات ثقافية).. ووجدت في أسفل الصفحة ثلاثة ةعمدة تتصدرها صورتي وصورة صديقي وليد إخلاصي، وذلك تحت عنوان يقول: (حدث في مهرجان المحبة: الأجناس الأدبية بين الرفض والقبول في معركة سورية). وأخذت أقرأ ما كتبه مراسل الصحيفة في دمشق فوجدت ما يلي: (في إطار الندوة الفكرية الثقافية التي عقدت على هامش مهرجان المحبة بمدينة اللاذقية على الساحل السوري والتي حاولت الاجابة عن السؤال التالي: هل نحن في زمن الشعر أم في زمن الرواية؟ فقد طرحت الكثير من الآراء والأفكار التي أثارها أدباء كبار سواء من سوريا أو الوطن العربي، فالأديب والناقد الفلسطيني الدكتور جابر عصفور أكد في الندوة أن الزمن الحالي هو زمن الرواية، بعد أن انحدر الشعر من مرتبة سيد الأنواع الأدبية، وأضحت بالتالي الرواية شعر الدنيا الحديثة وديوان العرب الحديث والنوع الأدبي الأكثر رواجا وسيادة..) إنتهى.. وكان ذلك هو المدخل، والكفر الذي هو أول القصيدة. وضحكت ضحكة مرة بالطبع عندما وجدت هذا المراسل الجهبذ (أو لعله مراسلة؟!) وضعني ضمن أدباء كبار في الوطن العربي، لكنه جعلني أديبا ولست كذلك، وجعلني فلسطينيا ويشرفني أن أكون كذلك لولا اعتزازي بجنسيتي المصرية. وتعجبت طويلا من هذه الجرأة على نسب الشخصيات دون حتى سؤال لمن يعرف. ولكن لماذا أتعجب طويلا، فالمراسل الجهبذ (أو لعله مراسلة؟!) كذب على الصحيفة التي يراسلها، وزعم أنني حضرت ندوة لم أحضرها، ونقل على لساني كلاما وتصريحات في معركة مع (الدكتور والناقد اللبناني رفيق عطوى) (وأعترف بأني لا أعرفه) وجعل (الدكتور والناقد اللبناني) يتهمني بالافتقار الى الدقة والموضوعية، ويلقي علي السؤال تلو السؤال ليؤكد زيف ما أقول. ولكنه يعود في النهاية (ليخلص الى أن تحولات الزمن الذي نعيشه منذ أن انكسر المشروع القومي العربي عام 1967 هو ما يجعلنا نعيش ما يمكن أن نطلق عليه عصر الرواية). ويبدو أن وليد إخلاصي حاول تقديم وجهة نظره، فلم يعجب المراسل الذي تحدث عن انتقادات الكثيرين له وانتقادات الصحف السورية (التي وجهت اليه تهمة العقم الفكري). هل كان هناك دكتور وناقد لبناني اسمه رفيق عطوى؟ وهل اتهمني حقا بما اتهمني به؟ لا أعرف. لعله شخصية وهمية اخترعها هذا المراسل الكذوب كما اخترع هويتي الأدبية (أديب) والوطنية (فلسطيني). وهل تحدث وليد اخلاصي بما تحدث به؟ لا أدري. سألت صديقي نبيل سليمان وهو من أبناء اللاذقية عن حقيقة الذي حدث، وكان في زيارة الى القاهرة، فظل يضحك ويضحك، وبعد أن تعب من الضحك أخبرني أن سوريا كلها تضحك على ما نشرته الصحيفة العربية. وكلما سألت كاتبا سوريا أو كاتبة ضحك الجميع، كأنهم وحدهم يعرفون كذب هذا المراسل، ولا تعرف صحيفته التي لم تكلف نفسها التحقق من الأمر، والاعتذار الى الأطراف التي كذب عليها هذا المراسل الجهبذ (أو لعله مراسلة؟!). والحق أن الضحكات التي تبادلتها والأصدقاء السوريين حول الموضوع انتزعت من داخلي احتمالات الغضب، وأحلت محلها نوادر السخرية وفكاهة الأحوال المشابهة، ولذلك تذكرت فيما تذكرت طرفة هذا الأب الذي قال لابنه إن الديكة تصيح في الصباح لأنه وقت صدور الصحف بأكاذيبها، وأجدني في هذا المقال مضطرا لتعديل صغير، أقول معه لذلك الطفل البريء: الديكة تصيح لصدور جريدة مثل (الوطن) تحمل أخبارا كاذبة من مراسل كذوب.