من قال ان الارهاب والاغتيال حكر على الادوات المألوفة التي يستخدمها عتاة المجرمين والارهابيين من بنادق وقنابل وطرود مفخخة، أو تلك التقليدية من اسلحة بيضاء وخلافها، بل هناك ادوات للقتل والارهاب اشد فتكاً من القذائف والصواريخ، رغم انها تنتمي في الاصل الى عالم صنع السلام والدعوة للمحبة والتحريض على المعرفة والتزود بالحكمة. أليس في استخدام حروف الكلام بطريقة شيطانية وسيلة اجرامية تزهق أرواح المعاني والقيم، وقد تغتال شرف وسمعة اشخاص وربما امم ودول، وقد تجتريء على رسالات السماء؟ ربما يحتاج الامر لمزيد من التوضيح، في فترة صار عنوانها الغموض والمعارك مع الاشباح، وفي زمن تسوده المصطلحات المبهمة التي لا مرادف لها على ارض الواقع، وتفتقر كما كان يحرص أهل المنطق السليم من عرب وعجم منذ فيلسوف اليونان سقراط الى وضع الكلمات وفقاً لمدلولاتها، وكأنك تزن حروف الكلام بميزان الذهب، لا زيادة ولا نقصان، وهو ما كانوا يطلقون عليه التعريف الجامع المانع، اي الجامع لمدلولاته على ارض الواقع، المانع لدخول ما عداها في اطاره. ومن انتهاك قواعد الدقة والحرص على الحقيقة تنطلق عمليات الاغتيال والارهاب بحروف الكلام، وقد تكون محدودة النطاق في ضررها، ولا تلحق الاذى الا بإنسان فرد، يستهدفه متاجر بالحروف متلاعب بالحقيقة ومضلل، في محاولة للتشهير به دون جريرة أو ذنب، وبدون وجه حق، فيلوث سمعته، ويلصق به من الدنايا ما لا يستحقه، وربما يكون الضحية لعملية الاغتيال بالحروف، غائباً مغيباً، بالجسد أو بالروح قهراً، لا يملك حق الدفاع عن نفسه. على أن اخطر عمليات الاغتيال والارهاب بحروف الكلام، تلك التي تستهدف أفكاراً وقيماً وتيارات ودولا وامماً، وتسعى الى رص جمل وتدبيج مقالات وبيانات مسمومة للقضاء عليها، دون ان تسمع صوت طلقات الرصاص أو انين الضحية، ودونما اسالة دماء، وكأنها عملية من عمليات القتل الصامت، أو الذي يسمونه في الغرب القتل الرحيم. من عمليات الاغتيال بالحروف، وبالكلام الشيطاني المزيف، تلك التي تجري حاليا باتساع العالم لحقنا العربي في فلسطين، ولقدسنا الشريف ومسجدنا الاقصى، بكل ما يحمله من مقدسات، حيث يروى تراب فلسطين يوميا بدماء الشهداء، وتهدم المنازل، وتنتهك الحرمات، وحين يبلغ العدوان مداه، وتنطلق شحنات الغضب للكرامة للانتقام من المجرمين الصهاينة، تقف الدنيا، ولا تقعد ، وهي تندد باشقائنا وتصفهم بالارهابيين المطلوبين للعدالة ـ عدالة الارهابي السفاح قاتل الاطفال والنساء أرييل شارون. ومن عمليات الاغتيال بالحروف وبالكلام، كل ما يجري من تزييف للتاريخ وللواقع الحي، وتصوير الضحية على أنه مجرم، وتكريم الجلاد على انه صانع سلام ومقيم طقوس ومنفذ حكم العدالة. لكن، عندما تختلط الامور وتضيع الحقائق ويعتلي القرصان منبر العدل، توقع قرب انجلاء الغمة، وبزوغ فجر جديد لعالم جديد تسوده قيم الحق والعدل والمساواة.. هكذا يسير التاريخ بدوراته.