ما حدث قد حدث، ولكن لابد من المكاشفة والمصارحة، وهو ما سنقوم به في هذه الزاوية، أما المساءلة ومن بعدها الحساب، فذلك نتركه لجهات الاختصاص التي سيوضع أمامها التقرير النهائي حول مصرع 14 موقوفاً في حريق مفتعل بمركز شرطة بر دبي، ولأن المسألة تتجاوز السبب المباشر والمعلن حتى الآن، ولضخامة ما حدث وبشاعته فإن ما حدث يحتاج إلى أكثر من وقفة. وعلى المسئولين ان يوضحوا ما حدث وكيف حدث، ولماذا حدث أصلاً، فأي شغب هذا الذي يحدث في عقر دار الشرطة ولا يتمكن رجالها من القضاء عليه إلا بعد وقوع ضحايا، فهل توقفت أجهزة الانذار عن العمل وتعطلت كاميرات المراقبة، وأصابها التشويش وانقطعت وسائل الاتصال المباشر، وما أكثرها. كنا نفاخر ونتباهى بشرطتنا وبأساليبها المتطورة في منع الجريمة، وبما تملكه من كوادر حاصلة على أعلى الشهادات العلمية والاكاديمية في مجالاتها المختلفة، وكثيرا ما كنا نسمع عن الأوضاع في السجون التي تم تغيير مسماها إلى المؤسسات العقابية وعن الخدمة المتميزة التي يلقاها النزيل، فأطلق عليها البعض سجون «five stars» أي خمس نجوم، فأوضح الحادث عكس ذلك. لقد فضح الحادث وكشف ان آليات العمل لا تتناسب مع الامكانيات الضخمة التي تملكها شرطة دبي، وإلا فكيف يتم جمع المتهمين في قضايا بسيطة أو عارضة مع موقوفين آخرين على ذمة قضايا مخدرات بكل ما يحمله المعنى من خطورة في التهمة والسلوك؟! بل أين كان المسئولون والمناوبون في المركز لحظة اشتعال النيران، وكيف تركوا الدخان يتكاثف ويخنق 14 موقوفاً منهم 9 مواطنين بعضهم كان نائماً؟ لماذا لم يتم فتح الزنزانات التي لا تؤدي إلى الخارج مباشرة، بل هناك مساحات وممرات تفصلها كان من الممكن حبسهم فيها؟ وعلى أسوأ الفروض لو تمكنوا من الفرار من مركز الشرطة، فهل يصعب على الجهات الأمنية متابعتهم وملاحقتهم واعادتهم إلى التوقيف، ألا تعتقدون ان هروب الموقوفين كان أهون بكثير من موتهم، وبهذه الصورة البشعة؟ أم ان للمسئولين في الشرطة رأياً آخر. ماذا نصنع وقد ضحى «دكاترة» الشرطة بالأم والجنين ولا يزالون يرددون ويصرون على ان العملية نجحت وتمت على أكمل وجه؟ نستشهد بما قاله العميد شرف الدين حسين مساعد قائد عام شرطة دبي لشئون البحث الجنائي الذي أكد ان مدمن المخدرات يفقد توازنه في مثل هذه الحالات بين حاجته إلى المادة المخدرة وبين الاجراءات الأمنية التي تؤخذ بحقه، فكيف غفلت شرطتنا عن هذه الحقائق التي تؤكدها بلا شك أبحاث ودراسات شتى يعرفها المسئولون جيداً. وحيث انه مطلوب منا ان نصدق ما قيل عن ان مجموعة من مدمني المخدرات التي أشعلت النيران هم من أصحاب السوابق الذين أقدموا أكثر من مرة باستخدام وسائل عدة للهرب من التوقيف. إذن فإن محاولة اثارة الشغب لم تكن الأولى بل سبقتها محاولات تمت قبل أسبوعين ـ حسب أقوال المسئولين أنفسهم ـ مما يثير الدهشة عن تأخرهم في اتخاذ اجراء وقائي مناسب من المؤكد انه كان سيعفينا جميعاً من مرارة ما حدث، وهذا العزل تم ولكن بعد وقوع الحادث، وكأننا اعتدنا ألا نتحرك بحماس وهمة إلا بعد وقوع الكارثة، فهل يجهل البعض ان براءة متهم أفضل من اتهام بريء؟ حادث مركز شرطة بر دبي يجب ألا يمر دون وقفة ولابد من الاعتراف بجملة أخطاء اكتشفها، وكم من الاهمال والقصور ألقى بظلاله شاء البعض أم أبى، ما يعني وقف عبارات الاطراء والثناء والمديح لقائمة مطولة تضم جهات أمنية عدة التي سارع البعض ببثها على مسامع رجال الاعلام، فذلك لا يعفيهم من المسئولية، وأي اشارة تلميحاً كانت أم تصريحاً بأن الجميع أدى ما عليه على أكمل وجه، وفي زمن قياسي فهو ليس أكثر من هراء وخزعبلة ورمل يحاول البعض ذره في العيون التي بلا شك لن تغمض عما جرى، والقصور وارد، فالقتلى 14 شخصاً، فهل كانت الشرطة تنتظر ان يموت كل من في المركز والمناطق المجاورة حتى يعترف مسئولوها ويقروا بالتقصير تجاه حادث كان من الممكن ان يكون عادياً ولا يسفر عن كم الخسائر في الأرواح التي وقعت؟ ما حدث يعد ضربا لحقوق الانسان في جبين وطننا المشهود له في كل الدنيا باهتمامه بالانسان أيا كان واحترامه لحقوقه، نعلم ان هناك ادارة خاصة في شرطة دبي تعنى بحقوق الانسان فأي انسان يا ترى؟ Email: fadheela@albayan.co.ae