نهج الاغتيالات السياسية الذي كانت تتبناه وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية كأحد ثوابتها الأمنية طوال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والذي نبذته خلال الحرب الفيتنامية تخوفا من المعاملة بالمثل على ايدي الفدائيين الفيتناميين مرشح الآن للعودة بمناسبة حلول عهد «مكافحة الارهاب العالمي». ورد الخبر في صحيفة «واشنطن بوست» قبل بضعة ايام لكنه ليس «كلام جرايد» كما قد يتبادر الى الذهن، فالواشنطن بوست اولا هي القناة الاعلامية المفضلة لهيئات الاستخبارات الامريكية وثانيا، وهذا هو الاهم، فإن من بين مشروعات القوانين التي تقدم بها الرئيس بوش الى الكونجرس لاجازتها مشروع قانون يطلق يد وكالة الاستخبارات المركزية في نشاطها الخارجي بازالة الاجراءات القانونية التي ظلت «تعوق» اداءها منذ منتصف عقد السبعينيات. شعوب العالم الثالث اذن موعودة بعودة ما يعتبره رجال الاستخبارات المركزية «العصر الذهبي» للوكالة حين كان عملاؤها او آخرون مستأجرون بوساطتها يكلفون بمهام قتل زعماء ونشطاء سياسيين بشتى الوسائل والحيل، وفق خطط «نظيفة» لا تخلف آثارا يمكن ان يستدل بها على الجاني. كانت الاهداف المفضلة لعمليات الاغتيال في الخمسينيات والستينيات من الشخصيات المنتمية الى تنظيمات شيوعية او يسارية بصفة عامة مصنفة جميعا كاعداء للولايات المتحدة وسياساتها وممارساتها الخارجية. لكن الامر مختلف الآن. فمع زوال او اضمحلال الشيوعية العالمية ونهاية الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي من ناحية وبروز تيار الراديكالية الاسلامية، فان المؤكد ان القصد من احياء نهج الاغتيالات الآن هو شخصيات تنتمي الى منظمات تتخذ لنفسها توجها ضد الولايات المتحدة تحت شعارات اسلامية. ان مباديء القانون الدولي تحظر اسلوب الاغتيال المدبر مسبقا حتى لو كان العمل الاغتيالي موجها ضد شخصية مطلوبة قانونيا بتهمة جنائية، فضلا عن شخصية تستهدف لاسباب سياسية لماذا؟. لانه مهما كانت الاتهامات ضد شخص ما قوية فانه لا يصح اعدامه الا وفقا لحكم قضائي يصدر عند نهاية محاكمة عادلة .. والا لأضحت الساحة الدولية مسرحا فوضويا لتصفية حسابات ذاتية باغتيالات واغتيالات مضادة لاسباب غير قانونية. ومن المؤسف حقا ان تتبنى حكومة دولة ديمقراطية متقدمة كحكومة الولايات المتحدة استعادة العمل بهذا الاسلوب مما ينسف قاعدة سيادة القانون. فاطلاق يد وكالة الاستخبارات الامريكية لتقرر بنفسها قتل من ترى في اي بقعة من العالم بدوافع سياسية، يعني ببساطة ان تكون الوكالة الخصم والقاضي في آن معا. ان في مقدمة الاعلان العالمي لحقوق الانسان المنبثق عن ميثاق الامم المتحدة والذي تدعي الولايات المتحدة انها الوصي الاول عليه، الحق في محاكمة عادلة لاي شخص يشتبه بأنه اتى فعلا مخالفا للقانون الساري، ومشروع القانون الامريكي الذي لن يلزم رجال الاستخبارات الامريكية بابراز اي ادلة قانونية بشأن اي شخص مشتبه فيه خارج الولايات المتحدة، ينطوي اذن على خرق واضح وفاضح لاعلان حقوق الانسان. واذا اجيز هذا القانون الامريكي وصار ساري المفعول فانه ستكون له نتيجتان خطيرتان: اولا خلق حالة دموية عالمية من الاغتيال والثأر الاغتيالي. فالمنظمات التي تتعرض عناصرها للقتل لن تسكن عن الثأر وثانيا، سوف يؤدي هذا القانون اللاقانوني الى توسيع وتدعيم ملامح «الدولة البوليسية» التي اخذت مؤشراتها الاولية في الظهور منذ احداث 11 سبتمبر الدامية. وهناك بصيص ضوء: فقد ارتفعت اصوات اعضاء في الكونجرس تعارض مشروع القانون، ونتمنى ان تكون لها الغلبة قبل فوات الآوان.