غالباً ما يحاول البعض، إفهامنا أن ما يجري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، يقع خارج السيطرة، وينذر بانفجارات واسعة النطاق، قد يصعب لجمها أو تهدئتها أو ما إلى ذلك من هذه الهواجس والأحلام، حتى ليذهب البعض استناداً إلى خياله الخصب لرسم سيناريوهات الحرب، التي من شأنها أن تندلع في المنطقة، ولم تكن بعض الاتجاهات الإسرائيلية بعيدة هي الأخرى عن ترديد هذه الهواجس، وبالتحديد القوى المتطرفة داخل اسرائيل التي كانت ترى على الدوام، أن الحرب وحدها المناخ الخصب الذي تنمو وتتكاثر من خلاله. فليس جديداً أن شارون وما يقع على جنباته من قوى وأحزاب يمينية، كانت وما تزال ترى، أن هذه المناخات ـ مناخات الحرب والتوتر ـ وحدها القادرة على شرعنة وجودها واستمرارها في السلطة، بالإضافة إلى أنها الطريقة المثلى التي تؤمن الرؤى والمصالح الإسرائيلية راهناً ومستقبلاً، والتي تهدف من جهة أخرى الى الإمساك بزمام المبادرة أو بخيوط اللعبة كما دأب البعض على تسميتها. لكن بمعزل عن كل التحليلات والتكهنات، والتفسيرات، لا بد من الاعتراف أن ثمة قوانين سياسية ـ أمنية، ناظمة للعمليات الصراعية في كل المناطق الساخنة على المستوى الدولي بعامة، والمنطقة العربية، أو الشرق أوسطية بشكل خاص، كونها ترضخ أكثر من غيرها لقانون الربح والخسارة بالدرجة الأولى والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ليست خارج القوانين الكونية الناظمة، إن كان لجهة سياساتها الداخلية أو الإقليمية، أو الدولية، بصرف النظر عن البرامج السياسية، التي غالباً ما تنطلق من محددات أيديولوجية صرفة، كما هي حكومة أرييل شارون، التي تعبث بكل ما حلم به ليس الفلسطينيون والعرب وحسب، بل والكثير من بعض الدول الأوروبية. فالسياسة الشارونية الحالمة، بإمكانية الاستفادة من الانشغال الأمريكي بأحداث 11 سبتمبر، وما ترتب عليها من حروب خارجية، جاءت عكسية تماماً بالنسبة لشارون، بحيث انقلب السحر على الساحر كما يقال، لأنها خلقت مناخاً صعباً وعسيراً على كل الأصعدة، طالت الداخل قبل الخارج، فالبنسبة للوضع الداخلي بدأت كل المؤشرات الداخلية تشير، إلى أن حظوظ شارون بعد سبعة أشهر من تسلمه مقاليد الحكم في اسرائيل بأنها ماضية في طريقها نحو «شتاء صعب» بالتزامن مع بداية الدورة الشتوية لدورة الكنيست، حتى أن أوساط اليمين ذاتها بدأت تشيع شكوكها في إمكانية اجتيازه هذه الدورة العاصفة بسلام خاصة وأن مثله لا يجيد لعبة الانحناء للعاصفة حتى تمر، كما تعودها غيره من كل الأحزاب الإسرائيلية يساراً ويميناً ووسطاً، وقبل الدخول بتفاصيل ما يمكن أن يخرج عن دورة الكنيست الشتوية، لا بد من التنويه أن شارون بدأ يواجه منافسين أقوياء داخل حزبه، وبالمقدمة منهم بنيامين نتانياهو صاحب اتفاق الخليل في العام 1996،والذي على ما يبدو بات مقنعاً مرة أخرى، ولو بشكل نسبي، لجمهور الليكود وقيادته بأنه قادر على إخراج الحزب من أزماته المركبة، والانتقال به إلى شاطئ الأمان، الذي خسر قسطاً كبيراً منه في ظل قيادة شارون له أما بالنسبة للائتلاف الشاروني الحاكم، فقد بدأت حالة من التفسخ تغزو صفوف التحالف، بصرف النظر عن الكثير من التحليلات التي احتلت واجهات الصحف العربية وغير العربية، والتي أجمعت، على وجود صفقة مفادها أن شارون وبيريز عقدا صفقة قبيل سفر وزير الخارجية بيريز إلى واشنطن، وأن لا مجال للحديث عن فك الشراكة في هذه المرحلة. قد يكون هذا الكلام وهذه التسريبات تحمل شيئا من الحقيقة، وأن هذا الاتفاق فعلاً قد حصل في بيت شارون في النقب قبيل توجه بيرز إلى المطار بقصد الذهاب إلى الولايات المتحدة، بهدف التخفيف من الغضب الأمريكي ، لكن بالمقابل هذا الاتفاق المرحلي جداً، هدفه الوصول بالحكومة الائتلافية إلى دورة اجتماعات الكنيست الشتوية وحسب، وليس الهدف منه على الإطلاق إعادة ترسيم شارون مرة أخرى على سدة الحكم، وهو الذي استمرأ لعبة توجيه الاتهامات والإهانات إلى شريكه العمالي شمعون بيريز، ولعل الهجوم الكاسح، أو إذا شئت الحرب الكلامية الساخنة التي بدأها بعض قيادات حزب العمل، باتهام شارون بأنه يسعى لإدخال اسرائيل بحرب شوارع، وتجاهل الشراكة مع العمل بعدم احترام ممثليهم في حكومته، تعبير عن الإيذان ببدء المعركة مع شارون، فالنائب يوسي بيلين، وزير القضاء السابق، رأس سهم العمل في مواجهة شارون وسياسته، قال: إن دخول حزب العمل إلى هذه الحكومة من أساسه كان خطأً فاحشاً .. فشارون استعملنا ليس عربة ندخله بها القصور والعواصم الأوروبية والأمريكية وحسب، بل أنه يبصق في وجوهنا اليوم، ويدوسنا بأقدامه، ويجرنا إلى سياسته العسكرية الجنونية، التي كنا قد حذرنا منها نحن قبل الانتخابات بأسابيع، بينما ذهب وزير الخارجية الأسبق شلومو بن عامي بالقول: أنه إذا كان دخول حزب العمل إلى الحكومة خطأً فاحشاً، فان بقاءه فيها هو جريمة نكراء سيدفع ثمنها غالياً، فنحن نظهر كالذنب وراء الليكود من دون هوية خاصة بنا ومن دون طرح بديل مقنع لسياستها، وبهذه الطريقة ننقرض، ولا يعود الجمهور يشعر بأي حاجة لنا في قضاء مصالحه. أما إثارة الحفيظة الأمريكية، التي حاكها شارون بتطرفه فحدث ولا حرج، فقد قالت صحيفة «واشنطن تايمز» الصادرة في الأسبوع الأول من الشهر الجاري وعلى لسان أحد معلقيها السياسيين، توماس فريدمان، قائلاً: أود لفت انتباهك يا شارون إلى أن أمريكا تحارب اليوم من أجل حريتها وهي المعركة نفسها التي ساعدنا اسرائيل خلالها طوال تلك السنوات، يجب على شارون أن يدرك أننا هنا من أجل ضمان عالم آمن لإسرائيل الحرة وليس عالماً آمناً لإسرائيل المحتلة للضفة الغربية حسب خارطته التوراتية. ناهيك عما عكسته سياسة شارون الجهنمية على الواقع الاقتصادي الإسرائيلي، والذي كان يعيش بالأصل، حالة من التردي منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى، وما حملته معها أحداث 11سبتمبر الأمريكية، حيث دفعت تلك الأوضاع التي زادتها سياسة شارون تدهوراً، اتحاد المستثمرين الإسرائيليين للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء أرييل شارون بسبب ما عاناه الاقتصاد نتيجة لتدهور عملية السلام وجميع العمليات والمشاريع المرتبطة بالاستثمار، وعلى رأسها مشروع الشرق أوسطية، الذي تم طرحه قبل ذلك، وقد تلاشى هذا الطرح تماماً مع التطورات السياسية الحادثة على صعيد عملية السلام. وبالتالي يظهر مدى التدهور الذي أصاب الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي انعكس بدوره على جميع القطاعات الإسرائيلية المختلفة التي تتعرض بدورها لانهيارات متشابهة، مع التذكير بأن شارون انقلب بين ليلة وضحاها على كل الاتفاقات السرية التي أحاكها مع بعض الدول الأوروبية النشطة باتجاه إنجاز عملية السلام الشرق أوسطية، والتي جرت يوم 19/10/2001 ما بين وزير الخارجية الأمريكي باول ووزير الخارجية النروجي ياغلاند، بما في ذلك التوجهات الناجحة والهادفة إلى إعادة بناء الثقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر عبر الخط الساخن، من خلال وزير الخارجية الأمريكية كولن باول، و نادت بضرورة تهدئة الأوضاع وانجاح الحلول المعروضة، والتي تتلخص بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وإيجاد حلول مقبولة في باقي القضايا مقابل إعلان الرئيس عرفات التنازل رسمياً عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر، وضرورة الاستفادة من الفرصة المتاحة لكلا الجانبين والتقاط الحل. إذاً استناداً إلى هذه اللوحة المقتضبة، يمكننا التكهن، بأن زيارة شارون يوم 11الشهر المقبل ستكون بالنسبة له آخر الزيارات الرسمية باعتباره رئيساً لوزراء اسرائيل، لأنها على ما يبدو ستكون بمثابة الزيارة التوديعية، ولو كان الظرف يسمح لفراغ دستوري داخل اسرائيل، قياساً بالأوضاع التي تعيشها المنطقة، لكان قد خسر شارون هذه الزيارة الرسمية بكل تأكيد، ولكانت قد تأجلت لملئها برجل آخر غيره، لانه ضرب عرض الحائط كل السقوف السياسية المرسومة وتجاوز الخطوط الحمر الأمريكية، دون أن يتعظ من دروس ومطبات الماضي، التي كان قد وقع بها صنوه بنيامين نتانياهو. ـ كاتب فلسطيني