لا أعرف حقيقة الخبر الذي أذاعته حركة طالبان بأن لديها عددا من الأسرى الأمريكيين العسكريين، لا أعرف كيف دخل هؤلاء ولا متى دخلوا؟ ولا أعرف هل هذا الخبر صحيح؟ أم هو خبر مفبرك؟ وهل تكذب طالبان بهذه الجرأة والى هذا الحد؟ ولكن الذي أعرفه أن هذا الخبر لو كان صحيحا فمعنى ذلك أن أمريكا لم تتعلم الدرس، حتى لو كانت أمريكا قد قامت بادخال عدد قليل من الكوماندوز فهو خطأ لا يغتفر، لأن المصائب الكبرى تبدأ هكذا، وواضح أن حكومة طالبان قوية وتسيطر على أفغانستان، والدليل أن طالبان القت القبض على الزعيم المعارض عبدالحق، وحاكمته مع عدد من أتباعه ـ وهو بالمناسبة يشبه القادة الألمان ـ وحكمت عليه بالاعدام، ونفذت الحكم شنقا مما يوحي بأنها مطمئنة وليست مذعورة ولا هي خائفة، وإلا لكانت أطلقت عليه النار هو وأتباعه ولا من شاف ولا من دري! ويبدو أيضا أن كل زعماء الشمال من صنف القائد عبدالرشيد دوستم الذي يظهر في أيام الهدوء والصفاء وفص ملح وداب في أيام القتال والتحدي، وها هم الأمريكان نازلين عزق ليل ونهار في طالبان وقوات الشمال واقفة تتفرج ويصرح قادتها بين الحين والآخر بأن الضرب مش كفاية، وأدهشني أن وزير خارجية تحالف الشمال واسمه عبدالله عبدالله نازل تصريحات كالحنفية الخربانة، أحيانا يعيب القيادة الأمريكية أنها لا تقوم بالواجب كما ينبغي وأنها لا تقصف رقبة طالبان كما يرجو الجميع وأحيانا يصرح بأنه سيكون على رأس قواته في كابول بعد أيام، ولكنه كما هو واضح لا يتحرك من مكانه لا في اتجاه كابول ولا في اتجاه بيشاور، وبالرغم من أن الجميع يتحرك ويصرخ ويصرح إلا أن طالبان لابدة وكمشانة ولا حس ولا خبر، ولكن أسوأ ما فيها هذه المؤتمرات الصحفية التي يعقدها سفيرها في باكستان وهو سفير غلبان وعلى قد حاله ويتكلم الانجليزية بأسلوب وان سيجارت وكم هير .. وشفتي سنت، وهو أغلب الجلسة يهرش في ظهره وفي كتفه وفي ذراعيه ويبدو أنه يقوم بدعاية للجمرة الخبيثة، ولا أعرف هل يوجد عند طالبان رجال يتقنون الانجليزية ويتقنون الحديث غير هذا السفير، أم أنهم يقصدون أن يقوم السفير إياه بالذات بمواجهة الصحافة الأجنبية باعتباره اسمه ضعيف وقد يجلب العطف على حكومتها ورجالها. ولكن برغم الضحكات التي انتزعتها تصريحات السفير إياه من صدري، إلا أن منظر الأطفال القتلى تحت أنقاض البيوت المنهارة في كابول قد أصابتني بأرق شديد جدا على مدار ليلتين كاملتين لم أذق فيهما طعم النوم. ما ذنب هؤلاء الأطفال؟ هل هي خطة لضمان عدم ظهور ابن لادن آخر في المستقبل، والغريب أن وزير الحربية الأمريكي أعلن في زهو شديد أن القصف لن يتوقف في رمضان، والسؤال هو ناوي يقصف إيه؟ في المسألة اليوغسلافية كانت الأمور تختلف، كانت هناك جسور ومحطات كهرباء ومحطات مياه وأبنية حكومية وطرق برية، ولكن في أفغانستان فيه إيه؟ فيه شوية شباب يتمنون الموت لأنه أرحم من الحياة، وشوية أطفال مصيرهم الى الشارع وشوية نساء لا تعرف رأسها من رجليها، فهل قصف هؤلاء يفيد في المعركة الحربية .. إن ضرب أمريكا لأفغانستان يصب في مصلحة طالبان ويسيء لأمريكا، وهل تتصورن أن الملاكم المحترف تايسون يخلع ملابسه لينزل ضرب في العبد لله .. وأيام الحرب الباردة كانت المعركة بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا، واليوم إنحدر مستوى الحرب والصراع فأصبح بين أمريكا وطالبان، ثم إيه حكاية الجمرة الخبيثة التي تجتاح أمريكا كلها وتدخل الرعب في قلوب الأمريكان، أليس هذا من فعل جماعات أمريكية متطرفة داخل أمريكا؟ عظيم جدا أن تعترف الحكومة الأمريكية بأن هذا العمل يقوم به ارهابيون من داخل أمريكا، ولماذا لا يكون ضرب مركز التجارة العالمي بنيويورك من أعمال هذه الجماعات.؟ إنني أخشى أنه حتى لو اكتشفت أمريكا أن مصدر كل الضربات التي أصابتها أخيرا هو بتدبير جماعات من داخل أمريكا، فالعبد لله يرجح أنها ستلتزم الصمت، فضرب طالبان حتى ولو كان من الجو فهو عمل أهون وأسلم، والبحث عن هذه الجماعات المتطرفة والقبض عليها ومحاكمتها هو عمل قد يجر على الحزب الجمهوري مشاكل، أما ضرب طالبان وضرب أفغانستان فقد يجمع الشعب كله أو أغلبه حول الحكومة، خصوصا أن بوش الأب نصح ابنه بوش الابن بأن يفعل كل ما يمكن لضمان اعادة انتخابه في المرة القادمة، وهي العقدة التي تسيطر على بوش الأب، لأنه بالرغم من كل عبقريته وخدمته الطويلة لأمريكا لم ينجح في انتخابات التجديد وحكم أمريكا مدة واحدة وفاز عليه الشاب الصغير كلينتون وتمكن من تجديد رئاسته، ولكن كلمة حق تقال ـ ولقد كانت فترة كلينتون فترة نغنغة ـ العاطلون الأمريكان تبحث عنهم الحكومة بمناكش، الاقتصاد الأمريكي في أزهى عصوره، والبورصة تعوم في المليارات، والأمريكان يطوفون في أنحاء الكرة الأرضية، وينفقون من النقود ما يجعل الحياة وردية في كل مكان يذهبون اليه مع أن بوش وصف كلينتون ذات محاضرة علنية بين الاثنين وأشار الى كلبه وقال إن كلبي هذا يفهم في السياسة الخارجية أفضل من السيد كلينتون ويبدو أن المسائل ليست بالشطارة، ولكن هناك قدم سعد وقدم نكد. وأسال الله أن يرزق أمريكا بقدم سعد لأن أمريكا هي أم الدنيا واذا اتهزمت أمريكا أو افتقرت فقل على الدنيا السلام!