آن الأوان لمنظمة «المؤتمر الاسلامي» لان تخرج من دائرة رد الفعل الى دائرة الفعل، مع ازدياد تفاقم المشهد الافغاني بصورة يومية. لقد نظر اجتماع وزاري استثنائي للمنظمة بالدوحة في وقت مبكر من اكتوبر الجاري في امر الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد افغانستان، وكانت قد اشتعلت لتوها، ورأى الاجتماع الا يصدر ادانة لتلك الحرب. كان هذا رد فعل، والآن وقد دخلت الحرب اسبوعها الرابع مفرزة وضعا انسانيا خطيرا على خلفية تداعيات سياسية معقدة ومتفاعلة ذات تأثير تدميري على مستقبل الشعب الافغاني، فانه قد آن الاوان للمنظمة الاسلامية لتدخل على خط الاحداث المتسارعة، باعتبارها الطرف الاقليمي الجماعي المعني بالامر اكثر من غيره. واذا كان قرار المنظمة بالامتناع عن شجب الحرب في حينه اعطى انطباعا سالبا، فانه الآن يمكن ان يستخدم كورقة ايجابية بالنظر الى الانقسامات الافغانية الحادة .. فسوف تبدو المنظمة، اذا شاءت التدخل سياسيا كطرف محايد بين كافة القوى السياسية الافغانية سواء المؤيدة للحرب او المعارضة لها. قبل نحو اسبوع دعا تنظيم طالبان الحاكم منظمة «المؤتمر الاسلامي» الى ارسال وفد الى افغانستان للوقوف على اعداد ضحايا الحرب من المدنيين واحوال اسرهم وذويهم. من هنا تستطيع المنظمة التقاط الخيط لتتدخل في المشهد بأجندة محددة تتفق عليها الدول الاعضاء. المطلوب اذن عقد اجتماع استثنائي ثان لوزراء خارجية المنظمة للنظر في وضع بنود هذه الاجندة المقترحة .. وسوف تكتشف المنظمة ان تدخلها سوف يكون مرحبا به من كافة الفرقاء. واذا كنا لانملك بالطبع رسم هذه الاجندة، فان بوسع اي مراقب لصيق لتطور المسألة الافغانية ان يقترح خطوطا عريضة. اول هذه الخطوط يجب ان يتصل بالامور العاجلة التي تتفاقم سريعا مع مرور الوقت. وفي مقدمة هذه الامور اوضاع اللاجئين الافغان الهاربين من مسرح الجحيم القتالي صوب الحدود مع باكستان وايران. واذا اخذنا في الاعتبار الارهاق المالي الذي تتكبده هاتان الدولتان في الانفاق على نحو ثلاثة ملايين لاجيء افغاني مقيمين على اراضيها بالفعل لمدى السنوات الماضية من دوران حرب الفصائل الافغانية، فان من واجب الدول الاسلامية ان تتولى جماعيا امر هذه المشكلة المرشحة للمزيد من التفاقم. ويتصل بأمر اللاجئين مشكلة اسر الضحايا المدنيين واحتياجاتهم العاجلة من عناية طبية واغاثة غذائية ومأوى وما تستطيع ان تفعله منظمة المؤتمر الاسلامي بصورة فورية وعاجلة هو الانتقال السريع بالمساعدات والتبرعات التي تقدمها الدول الاعضاء بصورة انفرادية الى جهد جماعي منسق بهدف مضاعفة هذا الجهد. اما على الصعيد السياسي فان المنظمة اذا قررت التدخل فانها سوف تكتشف ان لها وزنا واحتراما خاصا بين كافة القوى الخارجية بشرط ان تقدم المنظمة نفسها كوسيط اسلامي محايد لا يستهدف سوى خلق حالة وفاقية بين القوى الافغانية كافة لمساعدتها في استنباط صيغة جماعية لمستقبل الحكم في افغانستان. ان نشاط القوى الخارجية المختلفة كما نراه في المسرح السياسي الافغاني الراهن، لا ينطوي على وساطات حيادية وانما على مناورات متضادة مدفوعة بالمصالح الذاتية وتناقضاتها. الوضع الافغاني، على تعقيده، وتفاقمه اليومي، هو اذن مهيأ لاستقبال جهة حيادية متاحة لها، عند ابراز اوراق اعتمادها المنزهة عن الغرض الذاتي ان تنال تلقائيا ثقة كل القوى الافغانية المتصارعة. واهم ورقة من اوراق الاعتماد المتاحة لمنظمة المؤتمر الاسلامي تتمثل في ان المنظمة كيان جماعي اسلامي يتصدى لازمة ينتمي اطراف الصراع فيها الى شعب مسلم، ومثل هذه الميزة لا تتوفر حتى لدى منظمة الامم المتحدة. وفي كل الاحوال فانه ليس مقبولا لدى شعوب الأمة الاسلامية ان تظل على موقف المتفرج ازاء ازمة عظمى متعددة الجوانب يتعرض لها شعب مسلم.