تصدرت مقولة صمويل ب. هنتنجتون: «صدام الحضارات» واجهة المشهد الإعلامي العالمي كإطار نظري لتفسير أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، ومنذ أن نشرها هنتنجتون للمرة الأولى 1993 كانت أطروحته موضوع تحليلات وردود كان القاسم المشترك فيها أن هنتنجتون وضع دين الإسلام مقابل منطقة جغرافية الغرب وهذا التقابل بين الدين والجغرافيا ليس خطأ كما تصور كثيرون، بل يلخص منهجا في النظر والتحليل يرى الغرب واقعا ملموسا بينما خصومه مجرد أشباح، أفكار وأديان وأيديولوجيات يمكن الإشارة إليها جميعا بعبارة إمبراطورية الشر. غير أن إسقاط المقولة على ما يحدث الآن لا يختلف عن تصريح جورج بوش الذي استخدم فيه تعبير الحروب الصليبية وتصريحات سيلفيو برلسكوني التي أثارت ضجة كبيرة قبل قليل، إذ تعني جميعها أن أسامة بن لادن يمثل الإسلام وأن برلسكوني يمثل الغرب، وبهذا المعنى فقط يكون الصدام حتميا بين الإسلام والغرب، فالحضارة الإسلامية إذا اختصرت في شخصية مثل بن لادن، والغرب إذا اختصر في شخص مثل برلسكوني فلا مفر من صراع الحضارات، لكن هذا الاختصار ـ لحسن حظنا جميعا ـ غير ممكن. وقد طرحت الأحداث الساخنة التي يشهدها العالم على أجهزة الإعلام قضايا كانت حتى وقت قريب هم الأكاديميين في المقام الأول، فتقييم عطاء حضارة ما للتاريخ الإنساني ليس مما يسهل التعامل معه إعلاميا . وقد كنا طوال عقود نشكو من أن الكثير من المؤرخين والمفكرين الغربيين ينكرون دور الحضارة العربية الإسلامية في التاريخ الإنساني، ويزيفون حقائق التاريخ ليتهربوا من الاعتراف بأن للحضارة الإسلامية فضلها الكبير على نهوض أوروبا. وإقرارنا بأن هذا المسلك مناف لمقتضيات العدالة يفرض علينا أن ننصف خصومنا، فالخطأ لا يبرر الخطأ، والحضارة الغربية لا يمكن اختصارها في اللوبي الصهيوني أو البنك الدولي أو تجار الحروب الغربيين. وهناك صراع داخل الحضارة الغربية نفسها بين أنصار العولمة من شركات متعددة الجنسية ومافيات جريمة منظمة من ناحية وبين تيار واسع من مناهضي السياسات الاستعمارية، وهو ما يعبر عنه المفكر المعروف الدكتور عبد الوهاب المسيري بالصراع بين داروين ومايكل أنجلو والمنتصر حتى الآن هو للأسف داروين. ورغم أن تاريخ علاقة منطقتنا بالغرب مليء بالصفحات السوداء التي كنا فيها ضحية نزواته العسكرية التي لا تكاد تنقطع منذ الحروب الصليبية، فإن العداء المبدئي لم يكن يوما قاعدة هذه العلاقة، كما أن ما نال المسلمين في الغرب من تمييز لم يتحول، حتى بعد أحداث 11 سبتمبر، إلى حالة عداء شاملة ويكفي أن نقارنه بما حدث في نيجيريا مثلا، وهي دولة يشكل المسلمون فيها أغلبية، إذ وقعت مصادمات طائفية بسبب أحداث أمريكا راح ضحيتها المئات من الجانبين وفشل الجيش النيجيري نفسه في وقفها. وتغذية مشاعر العداء الكاسحة لدى الطرفين يمنح فرصة ذهبية لخفافيش الظلام وبخاصة في الكيان الصهيوني الذي يستمد إحساسه بالأمن من وجود علاقة صراعية بيننا وبين الغرب تجعل وجودها أحد أعمدة منظومة الأمن الغربية، وكل تحول عن العلاقة الصراعية يفقد المشروع الصهيوني أحد أهم مبررات وجوده وإن كانت أسباب الصراع قائمة تغذيها بصفة أساسية رغبة الغرب في التوسع الدائم على حساب الآخر. ـ كاتب مصري