كيف اصبحت «ام الحريات» امريكا تريد ان تخرس «ام الدنيا» مصر؟ فإن اخر مقال هجومي صدر عن «الواشنطن بوست» ينعت الرئيس محمد حسني مبارك بنعوت اقل ما يقال فيها انها خسيسة وعدوانية. فقد اصبح الرئيس مبارك فجأة المتردد والذي عالج قضية الارهاب في مصر بالتعذيب والقتل.. والمتحالف الموضوعي مع اعداء امريكا! والسبب المعلن هو تأخر الرئيس محمد حسني مبارك عن اعلان موقفه الداعم لامريكا بدون تحفظات. وهذا الاسلوب الامريكي في التعامل مع الرؤساء العرب ليس جديداً ولكنه طفح على السطح بقوة وفجاجة مع كارثة 11 سبتمبر. فكلام هذه الصحيفة شبه الرسمية عن الرئيس مبارك يوحي بأن واشنطن سبق ان برمجت ردود افعال الرؤساء العرب كما تشتهي هي، اي بطريقة الآية القرآنية الكريمة على لسان فرعون «لا اريكم الا ما ارى»! وهذه البرمجة الآلية تعطلت او اصيبت بعطب، فجاءت مواقف مبارك وبعض الزعماء العرب مخالفة للبرمجة الآلية التي نبغت فيها مادلين اولبرايت المعلمة ايام معالجة قضية الشرق الاوسط من منظور اسرائيل ولصالح اسرائيل ولا دولة غير دولة اسرائيل. ولعل العملاق الامريكي الذي يشبه كثيراً في ارتفاع قامته برجاً من ابراج مانهاتن لم يعد يسمع ما يدور من كلام في السفوح السفلية، حيث الشوارع العربية والاسلامية تلتقي مع شوارع العالم باسره في رفض منطق الارهاب والجواب على الارهاب بالارهاب. فضحايا مستشفى مدينة حيرات الافغانية وضحايا مستشفى مدينة بيت جالا الفلسطينية، وكذلك ضحايا مسجد جلال اباد وكنيسة بيت لحم هم ليسوا فقط من الابرياء بل من المرضى والعابدين الذين من حقهم على الناس جميعاً حمايتهم.. ولكن القنابل الامريكية والاسرائيلية لا ترحم لا هؤلاء ولا سواهم.. وقد مات هنا وهناك اطباء وممرضات ومسعفون ومسعفات، ولم تنفعهم علامات الهلال الاحمر او الصليب الاحمر. هذا هو عين الارهاب ولا تبرره «حالة الحرب» التي استنفرت الرئيس دبليو بوش.. وادارته. فنحن اذن نساق الى حرب شاملة يجب على القادة العرب حسب البرمجة الامريكية ان يدعموها بقوة وبلا تردد. وجاء تصريح وزير خارجية دولة قطر في طهران تندد بقتل الابرياء باسم ملاحقة الارهابيين، والرجل تكلم باسم منظمة المؤتمر الاسلامي التي يرأسها سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الى غاية 2003. وهذه المنظمة تضم خمسين شعباً اجتمعت في امة اسلامية وتشعر جماهيرها عن حق وعن بيّنة بانها مستهدفة بحرب حضارات اعلنها عام 1993 المفكر الامريكي من اصل يهودي صمويل هنتنجتون الذي كان ولايزال احد المنظرين للسياسة الخارجية الامريكية منذ عهد هنري كيسنجر.. وهذا الكلام ليس من عندي بل قاله لي عارفان بالشئون الامريكية، وهما ليندن لاروش المرشح الاسبق لرئاسة الولايات المتحدة، وميشال جوبير الوزير الاسبق للخارجية الفرنسية. فالمنظر اليهودي هنتنجتون صوّر الاسلام كخطر زاحف ونبّه الى ضرورة منع اتحاده بالحضارة الصينية.. بل واشار الى خط التماس لهذا الاتحاد المفترض وهو خط افغانستان. وقد تطرقنا الى اثارة هذه المسائل التي تبدو متنافرة ـ وهي ليس كذلك ـ لترسم ملامح سياسة واشنطن ازاء هذا المحيط المتلاطم الامواج الذي اسمه العالم الاسلامي ومنه العالم العربي. فواشنطن تتعامل مع قادتنا كرؤساء معزولين عن شعوبهم ـ بل الاخطر فانما ربما اعتبرتهم ضد شعوبهم ـ وهو خطأ قار ومستديم في العلاقات العربية الامريكية منذ عهد الرئيس دوايت ايزنهاور الذي قال للصحفي الامريكي كاتب مذكراته ستيفن امبروز عام 1958: «خليك من العالم العربي يا رجل، فهو محكوم بزعماء يطلبون السلاح يحكمون شعوباً تطلب الخبز». ولكن هل الذنب هنا هو ذنب امريكا؟ فامريكا كما قيل لها مصالح وليس لها اصدقاء، وانظروا ما وقع لاكبر حلفائها في الشرق الاوسط والخليج شاهنشاه فارس محمد رضا بهلوي حين هوى من عرشه الكسروي عام 1979 ورفضت امريكا قبوله حتى.. للعلاج، وظل طريد الامم حتى اواه الكرم العربي المصري متمثلاً في شخص السادات.. الذي التحق بالشاه ايضاً في يوم عاصف من ايام اكتوبر 1981. وكذلك كان مصير رئيس باناما الجنرال نورييجا الذي اختطفه كوماندوز امريكي وهو يقبع اليوم في زنزانة بأحد سجون امريكا تحت رقم 261832.. وكذلك الجنرال سوهارتو الاخر الذي رسخ اقدام امريكا في جنوب شرقي اسيا، وكذلك الجنرال بينوشي الذي اعانته المخابرات الامريكية على قتل سلفادور الليندي عام 1972، ثم طاردته العدالة الاوروبية كأي مجرم هارب وظل في لندن ثم في وطنه يعرض نفسه على الاطباء النفسيين لاثبات خرفه وانعدام مداركه العقلية حتى ينجو من تاريخه الامريكي المظلم، وكذلك اخر رئيس لفيتنام الجنوبية الذي فتح بلاده للمارينز ثم عندما انتصر هوشي منه عام 1974 اخذه الامريكان معهم ليصبح بائع بيتزا وهمبورجر في ضواحي لوس انجلوس. يالها من عبر غالية لمن يعتبر بالتاريخ، ويالها من دروس قاسية، ولعل العرب يستخلصون منها ما ينفعهم. فالامريكان ليس لهم اصدقاء، بل لهم وكلاء يحكمون باسمهم مأمورين لا يهمهم امر شعوبهم او اشواق جماهيرهم. فحالة الانفصام بين الحاكم والمحكوم كانت دائماً سلاح امريكا واسرائيل القوي.. الم يقل ناتنياهو في مقالة كتبها في شهر يونيو 2001 بكل من «هأرتز ونيويورك تايمز»: «نحن نتعامل مع العرب كحكومات ليس لها مصداقية لدى شعوبها، فكل ما نتفق بخصوصه مع الحكومات يمكن ان تنقضه الشعوب غداً، ليس هناك رأي عام عربي مؤثر كما عندنا وعندكم (يقصد امريكا واوروبا..!). ولهذه الاسباب اريد واتمنى ان يفند القادة العرب هذا الزعم بصناعة التلاحم الحي بين القاعدة والقمة في توجهات واحدة وتحركات واحدة في طريق مشترك. فإن القائد الذي لا يربط مصيره بمصير شعبه لن يذهب بعيداً اذا حصل على رضى امريكا.. الظرفي والمشروط. ثم ان تزامن قصف افغانستان وقصف فلسطين هو تزامن استراتيجي مدروس بدقة، سوف لن نراه بعيون اخرى اذا ما افتعل كولن باول الغضب من اسرائيل وطلب اليها «الانسحاب»، في حين ان لدى واشنطن وسائل اخرى سبق ان استعملتها في بلجراد مع «ميلوسيفيتش» عام 1999 حين لم ينقد لنصيحة واشنطن واعلن العصيان. وواشنطن تعلم حق العلم بأن شارون اعتى واشرس من «ميلوسيفيتش». ولكن هنا نجد المكيالين والمعيارين والسياستين.. لأن الدم العربي والاسلامي في نظرهم دم رخيص.. فاعتبروا يا أولي الالباب. ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر