كنت في الحادية عشرة من عمري، تلميذاً في المدرسة الابتدائية، حين خرجت لأول مرّة، في مظاهرة حاشدة، ضمت طلاب مدرستنا، وطلاب المدارس الابتدائية والثانوية المحيطة بها، تطالب بجلاء قوات الاحتلال البريطاني لمصر، وتهتف ـ باللغتين العربية والانجليزية ـ بشعارات ضد بريطانيا، فإذا ما صادفت المظاهرة متجراً او شارعاً تتصدر واجهته او مدخله، لافتة بالانجليزية، او بالعربية والانجليزية معاً، حصبنا الواجهة بالطوب حتى يتحطم زجاجها، او قام فريق متخصص منا بنزعها من مكانها، لكي ندوسها بالاقدام. وكانت معظم المظاهرات تبدأ قبل حصة اللغة الانجليزية، حتى لا نتعلم لغة الاعداء الذين يحتلون بلادنا فنقرأ لهم ونتأثر بهم ويفتر عداؤنا لهم. وكان عادياً، في ذلك الزمان ـ كما هو عادي في هذا الزمان ـ ان تنشر الصحف مقالات وتحقيقات ومانشيتات تتحدث عن «فرنسا الخليعة»، وتكرر القول بأن الشعب الانجليزي بارد الدم، لا يستملح افراده الفكاهة، وان النساء الاوروبيات لا يتمسكن بالفضيلة، والرجال الاوروبيون لا يغارون على زوجاتهم. تلك كلها افكار اضحك اليوم من نفسي واخجل منها كلما تذكرت انني كنت اعتنقها يوماً ما، واسف لانها قادتني الى حالة من الحصار العقلي كان يمكن ان تنتهي بأن اصبح احد افراد تنظيم «القاعدة، ورعايا ابن لادن، واشعر على نحو ما بالفخر لانني امتلك ذلك القدر الضروري من الحيوية العقلية، الذي مكنني من السعي لمراجعة هذه الباقة من الافكار الشوارعية، التي التقطتها من مظاهرات صاخبة تقودها عواطف وطنية متوهجة، لم اشك لحظة في نبل دوافعها او في نية اصحابها الطيبة، كما لم اشك ـ بعد المراجعة ـ ان الطريق الى جهنم مفروش بالنيات الطيبة. جذور الظاهرة بعد سنوات من الحصار ـ والصراع ـ العقلي، طفت خلالها بالتاريخ السياسي والفكري لأوروبا، ايقنت ان هذه الافكار الشوارعية، قد توقفت عند ظواهر هامشية، بعضها كاذب، وكلها تافه، وانها وضعت الغرب كله في سلة واحدة، فلم تميز بين دولة واخرى، او بين الحكام والشعوب، او بين الطبقات الاجتماعية والتيارات السياسية، التي كانت تدفع حكوماتها للاستيلاء على اوطان الاخرين بما فيها اوطاننا العربية، لتنشئ فيها قواعد عسكرية، تحمي مصالحها الاستراتيجية، ولتحويلها الى اسواق تستورد منها المواد الخام، وتصدر اليها السلع المصنعة، وبين الطبقات الاجتماعية والتيارات السياسية، التي تقبع في اسفل السلم الاجتماعي الاوروبي، والتيارات السياسية التي عبرت عنها، والتي وقفت دوما، وساندت حق شعوبنا في الاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي والاقتصادي. ومن الانصاف لبعض الذين روجوا لهذه الافكار الشوارعية، ان نقول بأنهم لم يبتكروها، اذ هي في الاصل، الافكار الشائعة بين العوام من المواطنين، الذين يشكلون الرأي العام، في بلاد متخلفة تسودها امية الفبائية وثقافية، وبالتالي تفتقد لأي رؤية سياسية، وفضلاً عن ان العقل الجمعي، لأي حشد جماهيري، كالمظاهرة، يهبط ـ كما يقول خبراء علم النفس الاجتماعي ـ الى مستوى اقل افراد الحشد ذكاء ومعرفة، فان الذين ينظمون تلك المظاهرات، ينطلقون من المبدأ القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة، وبالتالي فان حشد هؤلاء العوام في صفوف المعركة من اجل التحرر الوطني، يتطلب مخاطبة غرائزهم الفطرية، التي لم تصقلها معرفة تاريخية، او تضيئها ثقافة سياسية، واستثارة عواطفهم بشعارات متعصبة تنسب نفسها للدين او للوطنية، من دون ان تكون لها صلة حقيقية بهذا او بذاك. والمشكلة ان تلك الافكار الشوارعية ظلت قائمة في الساحة السياسية العربية، على الرغم من انتهاء المعركة المباشرة مع الاستعمار، بجلاء جيوشه عن الدول العربية خلال ربع القرن الذي اعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكان مفروضاً، ارن تتحول المعركة بين الدول المستقلة حديثاً وبين المعسكر الاستعماري، الى صراع، او تحد، حضاري، ينتقل بالدول المتخلفة ـ او النامية ـ الى مصاف الدول المتقدمة، بما يدفع من مستوى معيشة شعوبها، وينمي قدرتها على مواجهة ضغوط المعسكر الاستعماري، الذي كان حريصاً على ان يحتفظ لنفسه بنفوذ في توجيه سياساتها في سياق الحرب الباردة بينه وبين المأسوف على شيخوختها المنظومة الاشتراكية. ولولا سوء الحظ التاريخي القارح الذي انتهى بزرع اسرائيل في المنطقة، بدعم من الغرب الاوروبي، لاستقامت العلاقة بين العرب وبينه، اما وقد اصر على ان يواصل وضعها تحت حمايته، فقد كان منطقياً ان تتصاعد الروح المعادية للغرب، وان يزحف العسكريون العرب على السلطة في بعض الاقطار العربية، وتزحف عقليتهم على من تبقى منها، ليتخذ الجميع من شعار تحرير فلسطين ذريعة لاقامة نظم سلطوية غير ديمقراطية، كان لابد لها لكي تستقر معه ان تؤجج العداء لكل ما في الغرب، من التقدم العلمي، الى الديمقراطية السياسية، ومن الاخلاق الشخصية الى الفكر السياسي والاجتماعي، خاصة وانها لم تعجز فحسب عن تحرير فلسطين، بل ونجحت ـ كذلك ـ في توسيع نطاق ما تحتله اسرائيل من الاراضي العربية. عداء مصطنع ومع ان موجة العداء للغرب، لم تكن بلا اسباب موضوعية، الا انها تصاعدت، بفضل عوامل مصطنعة ـ الى درجة افتقدت معها لكل موضوعية، على نحو حال بين العرب، وبين التمييز بين الغرب الاستعماري الذي يدعم اسرائيل، وبين الغرب المتقدم حضارياً الذي يفيدهم التعامل مع هذا الجانب منه، في تنمية اقتصادهم وتحديث انظمته السياسية والادارية، والانتقال برؤاهم الى افاق العقلية العلمية الصناعية. وكان من نتيجة ذلك ان اختلطت الامور وتداخلت وانمحى الخيط الرفيع بين غرب لويس السادس عشر وهنري الثامن وموسوليني وهتلر وبيتان وراسبوتين ونيقولا الثاني وتشرشل وجي مولييه وترومان.. الخ، وبين الغرب الاخر الذي مثله رجال ونساء من امثال جان دارك وروسو ومونتسكيو وبلنت وسارتر واينشتاين وفرويد وماركس وابراهام لينكولن،.. الخ وتساوى لدينا الجميع، فهم جميعاً ضدنا، ونحن ضدهم جميعاً، لا يجوز لنا ان نقرأ لهم، او ان نتأثر بهم، او ان نقتبس منهم شيئاً. وكان غريباً ان المرحلة الثانية من الحقبة القومية في التاريخ العربي المعاصر، التي بدأت مع بداية الخمسينيات، قد ادت الى ترسيخ فكرة العداء مع الغرب بلا تمييز، لتلتقي في ذلك مع خصومها المنتمين الى التيار الديني، على الرغم مما كان بين الطرفين آنذاك من صراع عنيف، وعلى الرغم من ان التيار الديني، كان ينظر الى حركة القومية العربية، باعتبارها حركة تابعة عملية للغرب، تضرب الاسلام لحسابه بل ان بعض مفكريه، كان قد اعاد تقييم كل الفصول السابقة من تاريخها، على هذا الاساس. وهكذا وعلى الرغم من الالتقاء الموضوعي بين القوميين العرب، وبين تيار الاسلام السياسي، على ارضية العداء للغرب، ورفض مقولاته، واعتبارها افكاراً مستوردة لم ينبع من تراثنا، ولا صلة لها ـ كما كان الرئيس الراحل انور السادات يقول ـ باخلاق القرية، او اخلاق الضيعة التي تربينا عليها، فان ادبيات التيار الاسلامي، كانت ولاتزال، تبشر بأفكار تقول، بأن رجالاً مثل رفاعة رافع الطهطاوي، وعلى مبارك وقاسم امين ولطفي السيد ومحمد فريد وسعد زغلول وعلي عبدالرازق وسلامة موسى ومصطفى النحاس، وجمال عبدالناصر، لم يكونوا قادة لحركة تحرر وطني وقومي تعادي الاستعمار الاجنبي، ولكنهم كانوا ـ جميعاً من دون تمييز ـ فريقاً من الجواسيس، الذين تربوا في دوائر استخبارات الدول الغربية الصليبية، وتأهلوا للقيام بدور الطابور الخامس، لمجرد انهم رفضوا التبعية لدار الخلافة الاسلامية في تركيا وطالبوا بجلاء الجيوش الاوروبية عن بلادهم، واعتبروا الطرفين استعماراً، وسعوا لبناء دولة عصرية ديمقراطية حديثة، لتستطيع ان تصمد في اية مواجهة حضارية مع كل مستعمر قائم، او زاحف. وكانت تلك الحماقة الفكرية، التي دفعت الدول القومية العربية لتعمم موقف العداء للغرب، حتى لا تتسلل اليها افكاره الديمقراطية فتهز نظمها السلطوية الديكتاتورية، هي الاساس الذي بنى عليه تيار الاسلام السياسي جماهيريته، واتخذه سلاحاً ردّه الى خصومه القوميين، فما كادت هزيمة 1967 تقع، لتعلن افلاس المشروع القومي، حتى زحف الاسلاميون على الشارع، يرفعون الاعلام ذاتها التي رفعها القوميون: لا للافكار المستوردة من الغرب، بما في ذلك الديمقراطية والعقلانية والدولة العصرية، التي هي طاغوت ينتزع حق الله عز وجل في ان يحكم عباده، اي بما في ذلك الفكرة القومية ذاتها. ولاننا في الاصل شعوب رعوية وزراعية تفكر بعواطفها لا بعقلها فنحن جاهزون من الاصل للوقوف عند اطراف الجهات الاصلية، فالاشياء اما ابيض ناصع، او اسود حالك، والناس اما ابرار اطهار واما اشرار فجار، والغرب، اما انه جنة الناس والنموذج الذي يستحق ان ننقله كما هو، واما انه ـ بكل ما فيه ومن فيه ـ شيطان اكبر يتآمر علينا، ولا ينام الليل من فرط قلقه منا، وخوفه مما نمتلكه من ترسانات عسكرية وقوى نووية وافكار عصرية.. والخلاصة ان على كل منا ان يختار بين موقفين لا ثالث لهما: ان يكون مع هذا الغرب حتى النهاية، او ان يكون ضده حتى اخر مدى! ونظرة واحدة الى المشهد السياسي والفكري العربي والاسلامي، منذ وقعت تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وما ترتب عليها، تكشف عن اننا لم نتقدم خطوة واحدة الى الامام منذ نصف قرن على الاقل، وان تياراتنا السياسية، تصر على ان تقف عند اقصى الجهات الاصلية، وانه لا خيار امام كل منا، الا ان يكون مع ابن لادن، مئة في المئة، او مع ابن بوش، مئة في المئة.. اما ان يكون مع الاثنين، او ضد الاثنين، فذلك اختيار غير وارد، لانه يتناقض مع شعار «محلك سر» الذي نتخذه شعاراً دائماً لنا. ـ كاتب مصري