لنتأمل الكلمات الخطيرة التي صدرت عن وزير الدفاع الامريكي آخر الاسبوع الماضي في تقييمه لمسار الحرب الامريكية ضد افغانستان، بعد ثلاثة اسابيع من قصف جوي نهارا وليلا وأحيانا على مدار الساعة. كلمات دونالد رامسفيلد يمكن ان تلخص كما يلي: ـ القبض على اسامة بن لادن امر يصعب تحقيقه .. ولا ادري، بكل بساطة، ان كنا سننجح في ذلك. ـ القضاء على طالبان وشبكة «القاعدة» ليس بالأمر السهل ولن يتحقق بسهولة ولا بسرعة. ـ البحث عن ابن لادن يشبه البحث عن ابرة في كومة من القش. ـ عناصر طالبان قوم اشداء ولهم تجربة في خوض المعارك .. ولن يستسلموا. ماذا يعني هذا التقييم الصريح من الرجل الاول المسئول عن ادارة الحرب ضد افغانستان تخطيطا وتنفيذا؟ ان استخلاصات رامسفيلد تؤكد على ماظل ينشر في الصحافة البريطانية خصوصا صحيفة «اندبندنت»، والصحافة الامريكية خصوصا صحيفة «واشنطن بوست» قريبة الصلة بمجتمع الاستخبارات الامريكية، من تحليلات تفيد بأن الولايات المتحدة موعودة في افغانستان بتجربة رهيبة سوف تتطابق مع تلك التجربة التي تعرض لها «الاتحاد السوفييتي» في ثمانينيات القرن الماضي، حيث غادرت القوات السوفييتية الاراضي الافغانية نادمة ومرتعبة وكأنها خارجة من جحيم.ان وزير الدفاع الامريكي يتحدث في الحقيقة عن فشل محتوم اخذت بوادره في الظهور. فبعد ثلاثة اسابيع من القصف الجوي المكثف لم يعد هناك في افغانستان التي تنتمي حضاريا الى العصر الحجري ما يستحق تدميرا بصواريخ وقنابل من احدث انتاج التكنولوجيا الحربية. ومع ذلك لم تنجح الولايات المتحدة في احراز اختراق عسكري مفصلي يمكن ان يفتح الطريق لتحقيق الهدف الاستراتيجي الاعظم الذي من اجله شنت الحرب. الهدف الاستراتيجي المعلن هو تدمير البنية التحتية لتنظيم «القاعدة» والقبض على زعيم التنظيم اسامة بن لادن او قتله اذا دعت الضرورة. وتحقيق هذا الهدف رهن بتحقيق هدف معلن آخر ودونه اولوية .. وهو القضاء على نظام طالبان الحاكم. وبناء على كلمات الوزير الامريكي الصريحة فان الهدفين امر يصعب تحقيقه بما يشبه المستحيل. لكن ما الذي يضطر هذا المسئول الامريكي الكبير الى الاقرار بالفشل مقدما؟ اغلب الظن ان الوزير اراد اولا ان يستبق تساؤلات الجمهور الامريكي فلا يزال حيا في الذاكرة الجمعية الامريكية تلك العهود والوعود التي قطعها الرئيس بوش ومساعدوه، وفي مقدمتهم دونالد رامسفيلد بان الفراغ من مهمة وضع نهاية لحياة ابن لادن البائس وقادة طالبان الابأس لن يتطلب من القوة العظمى الاولى والوحيدة في العالم جهدا او وقتا الا بقدر ما يتطلب قتل صبي على يد عملاق، غير ان الايام تحولت منذ 7 اكتوبر، تاريخ القصف الاستهلالي لافغانستان، الى اسابيع مرشحة الآن لتتحول الى شهور مع ضمور الآمال في الظفر بابن لادن والقضاء على طالبان، وان كان هناك اي تغيير طرأ على المشهد فهو ان عناصر طالبان الذين وصفهم رامسفيلد بالشدة اضحوا اشد صلابة. الوزير يريد اذن تهيئة الجمهور الامريكي لمستقبل قريب ينبيء عن مأزق امريكي خطير في افغانستان فالخيارات كلها صعبة. الاستمرار في القصف الجوي المكثف لن يكون له نتائج سوى سقوط المزيد من الضحايا المدنيين الابرياء مما سيؤدي الى مضاعفة الاحتجاجات اسلاميا وعالميا والانسحاب من مسرح الحرب سوف يعني هزيمة معنوية عظمى للولايات المتحدة تترتب عليها تداعيات سياسية خطيرة. وفي هذه الاثناء يبدو ان واشنطن صرفت النظر عن دخول مخاطرة حرب برية في المجاهل الجبلية الافغانية. ان ادارة الرئيس بوش تجد نفسها الآن في سباق مع الزمن لكي تحسم امر نفسها قبل ان تفقد الحرب بوصلتها تماما .. واهم من ذلك قبل ان يبدأ حلفاء امريكا في الانفضاض من حولها.