مرة اخرى يبدو ان العرب سوف يخسرون المراهنة في الموقف القائم عالمياً. ففي الوقت الذي يقوم العالم كله ـ تقريباً ـ بدعم ومعاونة الولايات المتحدة، والتعاطف معها في اعقاب ما حدث بها يوم الحادي عشر من سبتمبر الماضي، يكتفي العرب بالمراوحة في المكان، بل ان بعضهم سارع بالشجب والتنديد بالهجوم الذي تشنه امريكا على بؤر الارهاب في افغانستان، وهو ما يحق لها القيام به، مستندة الى مبدأ الدفاع عن النفس، والى اجماع الاسرة الدولية التي فوضت واشنطن القيام بهذا العمل معاقبة لمن نفذوا العمليات الارهابية وردعاً لمن تسول له نفسه معاودة هذه العمليات مرة اخرى، وهو عمل يسانده القانون الدولي انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس، بينما يرى فيه بعض العرب «اعتداء» لا مبرر له! لا شك في ان هناك قلة من الحكومات العربية استطاعت ان تفهم الموضوع فهما واعياً يراعي جميع ابعاده وخلفياته وتداعياته، ومن ثم كانت لديها الجرأة على اظهار ردة فعل ايجابية، مثلما حدث من السلطة الفلسطينية ـ على سبيل المثال ـ فعندما استلقى الرئيس عرفات (وهو في السبعين من عمره) امام عدسات التلفزة لتنقل صوره وهو يتبرع بالدم لمصلحة الجرحى الامريكيين، كان هذا المشهد رسالة واضحة تشير الى النقطة التي يقف عندها عرفات في تقييمه الحصيف للحدث المدوي. وهو موقف شدد عليه اطراف اخرون فاعلون في السلطة الفلسطينية رفضوا الربط بين احداث الحادي عشر من سبتمبر والقضية الفلسطينية، بالرغم من المغريات المتوافرة لهذا الربط في خطابنا السياسي العربي، مضافاً اليه التحريض المكتوب والمنشور، مع طغيان الانفعال على الرأي العام العربي. وربما كان هذا الموقف الفلسطيني وما تلاه واحداً من اهم الدروس التي استخلصتها السلطة الفلسطينية وافادت منها، بعد ان اخفقت بتجربة مشابهة في اغسطس 90، حين وقفت مع الاحتلال العراقي للكويت، استجابة للشعار الكاذب الذي رفعه حاكم بغداد «الطريق الى تحرير القدس يبدأ من الكويت»!! وهو موقف خسرت القضية الفلسطينية على اثره الكثير.. ولكن الحكمة تقول «ان نتعلم اخيراً خير من الا نتعلم مطلقاً». فعل غير مسبوق ففي هذه الايام نسمع مقولات كثيرة تشبه، الى حد بعيد، المقولات التي كانت تطلق في اغسطس 90، فالآن يهتف كثيرون: «نحن ضد الارهاب.. ولكننا لسنا مع الضربة الامريكية»، واذا سألت هؤلاء: «كيف؟» لم يحيرو جواباً (!) تماماً مثلما كان بعض العرب يتشدقون بانهم «مع تحرير الكويت، ولكنهم ضد الوجود الامريكي في الخليج» فاذا طلبت منهم ان يفكوا التناقض الظاهر في هذا الخطاب، عجزوا عجزاً مثيراً للرثاء يكشف عن الخطل والتهافت السائدين في كلامهم! وكما اعتبر الكويتيون ان تلك المقولات في اغسطس 90، ما هي الا تلكؤ اقرب الى السكوت على الجريمة والتبرير لاستمرارها، كذلك تعتبر الولايات المتحدة ـ الان ـ هؤلاء الذين ادانوا الارهاب من ناحية ورفضوا الجهود الامريكية لاجتثاث جذوره من الناحية الاخرى، تعتبرهم متلكئين، تبريريين يحبون ان يمسكوا العصار من المنتصف، في موقف لا يحتمل الا الامساك بها من احد الطرفين، ولا شك في ان لكل اختيار ثمنه (!!) ذلك ان الذين استهدف هذه المرة هو اعظم دولة في العالم، والفعل الارهابي الذي استهدفها هو فعل غير مسبوق لا في شكله ولا في طريقة تنفيذه، ولا في حجم الدمار الذي خلفه، وهو دمار لم يقع ـ فحسب ـ في الابنية والمنشآت مهما بلغت، كلفتها، بل لقد تمثل الوجع الاكبر في الدماء الغزيرة التي اهدرت وكرامة اعظم دولة في التاريخ كله التي اهتزت واهتزت معها ارجاء العالم كله. ومن ثم فإن هذه الدولة، التي اجتمع لها من مصادر القوة والثراء ما لم يجتمع لدولة اخرى، لن تجد عائقاً يحول بينها وبين القصاص ممن هزوا كرامتها وسفحوا دماء مواطنيها. ولذلك فإن تحديد الساحة التي يتعين ان تقف عندها الدول العربية ـ سواء «مع» او «ضد» ـ هو امر حاسم لا يحتمل تأجيلاً، ولا يقبل تلكؤاً، ولا تحتمل المناورة والرقص على السلالم! مفترق طرق ولعل العرب في بعض مواقفهم المتذبذبة هذه يفقدون فرصة تاريخية اخرى، حيث ان تراكمات التثقيف السياسي السابق قد اثرت سلباً في اتخاذ موقف جديد وواضح تجاه ما اتفق عليه العالم من الصين الى روسيا ومن امريكا الجنوبية الى اواسط افريقيا، ولذلك فسوف تفوتهم الفرصة السانحة امامهم للتأثير في الاحداث. وهي عادة قديمة ادمنها اكثر العرب على مدار التاريخ ـ صحيح ان امريكا لا تسكنها الملائكة، فهي دولة لها مصالح كبرى على مستوى العالم، وهي تغير سياستها حسب ما تشير اليه بوصلة هذه المصالح. ولكن الصحيح ايضاً انها ليست بلاداً تسكنها الشياطين، فهؤلاء بشر لهم عقول ومنهج منطقي في التفكير، وهم يرون ان الموقف المتعاطف مع اهل الفتنة والارهاب هو موقف غير مبرر، كما ان تقديم قدم وتأخير اخرى هو موقف غير مفهوم، وسينظرون اليه نظرة سلبية يستحقها! وقد لا يكون لمواقف دول او ثقافات اخرى ما لقوة الموقف العربي سلباً او ايجاباً. فلموقف العرب في هذه القضية دور مركزي، ولا اقول المسلمين، وذلك لاسباب عدة، منها، ان المنفذين من العرب، وان العرب يمثلون النقطة المركزية بالنسبة للاسلام السياسي، خاصة في وسط اسيا، فضلاً عن ان الذرائع التي استند اليها المخططون ذرائع عربية. ربما يعرف البعض ان المسلم العربي يتبوأ مركزاً معنوياً مرموقاً بين مسلمي اسيا، الذين ينظرون اليه بوصفه وارث هذا الدين، والاكثر ارتباطاً به. ولا شك في ان العوامل التاريخية والجغرافية قد ادت دوراً في صنع هذه الصورة، كما ان العلاقة الوطيدة والوثيقة بين الاسلام واللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم هي امر يلاحظه المتابع حتى في الجانب الرمزي لهذا الانتماء، فحتى القيادات في تلك الاصقاع الاسيوية تكتسي بالثوب العربي والعباءة العربية، وهي مظاهر لها معناها ودلالتها. ربما لهذه الاسباب او لغيرها، كان للعرب موقع مميز في هذه الازمة، لم يسبق ان كان لهم موقع في اهميته نفسها في اي ازمة عالمية اخرى! ومن ثم فانهم الان يقفون في مفترق طرق، ويتعين عليهم الاختيار بين موقفين لا ثالث لهما: الخسارة او الربح، خاصة ان الغرب ينظر اليهم ـ الان ـ كمفتاح لاختصار زمن الازمة وحلها سريعاً او تعقيدها. قراءة الاحداث بوعي وتكمن الخطورة هنا في ان العرب يمكن ان يقعوا في دائرة الخطأ بأن يعظموا من دورهم الى درجة الظن ان الكرة الارضية يمكن ـ من دونهم ـ الا تتمكن من مواصلة دورانها (!) او ان يقفوا ـ اي العرب ـ موقف المتفرج ظانين ان دورهم لا تأثير له، فتتجاوزهم الاحداث. ولعل الوقوف مع الولايات المتحدة في هذا الوقت بالذات، ومع التحالف الدولي ضد الارهاب، له فوائده السياسية التي لا تخفى، فقد تناطح الفعل السياسي العربي مع هذه الدولة الكبيرة على مسرح المعركة مع اسرائيل لمدة تزيد على اربعة عقود، ومع ذلك لم يفلح هذا التناطح الا في تكديس المكاسب لمصلحة اسرائيل (!)، وجاءت فكرة تغيير دفة الافعال والممارسات السياسية باتجاه اخر، فقام الرئيس الراحل انور السادات بذلك التغيير، وقد اعلمنا جهراً وقتها ان 99 في المئة من اوراق اللعبة في يد امريكا، ولأن السياسة تحسب بنتائجها وليس بعواطفها وعلو صوتها، فقد حقق الرئيس السادات مكاسب ما كان يمكن ان تحقق نتيجة التناطح، ليس لان هذه الاخيرة غير مفيدة في العمل السياسي الدولي، بل لأن فائدتها تحسب بمدى قدرتها على التأثير في توازن القوى، وبالتالي تحقيق النتائج المبتغاة، خاصة انه لم يكن في اي وقت باستطاعة العرب مجتمعين ان يشكلوا قدرة يوازنون فيها قوة الولايات المتحدة. وعندما تسنح الفرصة اليوم لتحقيق مكاسب سياسية، ونرى ان الشق بين الولايات المتحدة والغرب الاوروبي من جهة واسرائيل من جهة اخرى بدأ في الاتساع والافتراق في المصالح والاهداف، نجد اننا نريد ـ سواء بوعي او بغير وعي ـ ان نردم تلك الفجوة باعمالنا وبمواقفنا التي تصب غالباً في مصلحة خصومنا ـ وهي مواقف ليست عملية، بل لفظية، تجلب الخسارة وتفوت المصالح، فنقف او يقف كثير منا في معسكر المعارضين، وهو ما لم تفعله الصين على كبر حجمها واهمية موضعها وتأثيرها في العالم، وبرغم اتساع شقة الاختلاف في المصالح بينها وبين الغرب، وكذلك لم تفعله روسيا التي وقفت الى جانب التحالف، على الرغم من ان بينها وبين الغرب الكثير من تناقض المصالح وتباعد الاهداف. بل لقد فوت اكثر العرب على انفسهم هذه الفرصة التي اغتنمتها دول اخرى كثيرة صغيرة وكبيرة، وبعضها ينتمي الى العالم الاسلامي، ولكنها دول استطاعت حكوماتها قراءة الاحداث بوعي، ومن ثم ادركت ان العالم يمضي مسرعاً باتجاه التغيير! لا شك في ان هذا الموقف «العربي» الذي يصب في غير مصلحة العرب، ناتج عن ثقافة التخاصم التي درجنا عليها منذ تاريخ بعيد، وهي ثقافة سياسية تذكرنا بمراحل مضت اتخذت فيها المواقف الخطأ، ونجم عنها قرارات خطأ.. ثم ندم النادمون، بعد فوات الاوان! ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب بالكويت