لم يستغرق انتظاري أمام نافذة مكتب الجوازات بمطار أورلي إلا ثواني معدودات، لا أخفي توجسي منذ خروجي من الطائرة إلى الممر الذي اعتدت أن أسلكه، إلى السير الأفقي المتحرك الذي يختصر المسافة، ليست المرة الأولى التي أسافر فيها بعد الحادي عشر من سبتمبر، إنها الثانية، ورغم ذلك توقعت تدقيقا في الجواز. في التأشيرة، توقعت أسئلة ما، ما نقرأه يضاعف هذا التوجس ويضاعف التوقع، لكن ثواني معدودات فقط بعدها كنت أصغى إلى خبطة الختم التي عهدتها في المطارات، أحيانا ما تكون قاسية غشيمة، وأحيانا تكون مهموسة، ناعمة، وأحيانا لا توجد على الإطلاق، كما رأيت في مطارات ألمانيا وهولندا منذ سنوات ولا أدري كيفية الأوضاع الآن، قطعت الطريق القصير من مكتب الجوازات إلى صالة استلام الحقائب، بدا المطار الشاسع المساحة، الذي كان يفيض بركابه خاليا وكأنه مهجور، لم يكن إلا الحقائب التي وصلت على الطائرة المصرية التي بدا لي أنها الوحيدة منذ فترة، بالمقارنة بالمرات السابقة كان المشهد مختلفا عما سبق، المطار شبه الخاوي، انعدام الحركة، بدا لي مطار القاهرة أكثر ازدحاما عند المغادرة، ربما بسبب سفر العاملين المصريين إلى الأقطار العربية، أمام مطار أورلي كانت طوابير عربات الأجرة تمتد واقفة. عرفت من صديق مقيم ان فنادق باريس شبه خاوية، فمعظم السائحين القادمين عبر المحيط من الولايات المتحدة توقف قدومهم، بعض شركات الطيران ألغت رحلاتها تماما. أكثر من ستين مليون كانوا يزورون باريس سنويا، لم يكن الأمر في حاجة إلى معرفة أرقام لتقدير الخسائر الجسيمة، يكفي خواء المطار والفنادق والمطاعم، تذكرت بأسى المنشآت السياحية المصرية، والعاملين بها، والأضرار اللاحقة، إنها الآثار بعيدة المدى لما جرى في نيويورك، لا يمكن التنبؤ بالمدى الذي سوف تنتهي عنده تلك التوابع، الأمر مختلف عن ظروف حرب الخليج عام واحد وتسعين، خلال تلك الأيام التي تبدو بعيدة الآن قدر لي أن أسافر إلى هولندا، كان ذلك في ذروة القصف الوحشى لمدن العراق، ورافق ذلك تصاعد حملة معادية ضد العرب والمسلمين في وسائل الاعلام الغربية كان لها تأثيرها على جمهور الناس في بلدان مختلفة أذكر أنني رأيت طابورا في لاهاي ينتظر أفراده لشراء أقنعه واقية، ولما سألت عن السبب قيل لي إنها بسبب كيماوي صدام حسين، قلت لمحدثي إن صواريخ صدام من طراز سكود وأقصى مدى لها لا يتجاوز الثمانمئة كيلو متر، فكيف يصل الكيماوي إلى أوروبا التي تبعد آلاف الكيلو مترات ؟، لكنه تأثير آلة الإعلام الجبارة التي تغير وتبدل الحقائق، لن أبالغ إذا قلت إن الوضع الآن أفضل من عام واحد وتسعين، هكذا شعرت، وهذا ما أخبرني به من أثق بهم، العرب الذين يعيشون في فرنسا، الوضع في فرنسا أفضل بكثير من أقطار أوروبية أخرى، تعداد العرب يتجاوز الخمسة ملايين وهم جزء من المجتمع الفرنسي، بعضهم مندمج فيه إما بالزواج أو الإقامة الكاملة، ومن الأسس التي قام عليها المجتمع الفرنسي منذ الثورة الفرنسية قبول الآخر والحرية، ننزعج من آراء معادية تقال علنا في الاعلام المقروء أو المسموع، لكن في المقابل آراء مختلفة، وكم كان مثيرا لي أن أجد مجلة هامة مثل (البريد الأدبي) تضع على غلافها عنوانا الهنود -العرب - الأوروبيون - الامريكيون اللاتين - الأفارقة، لماذا نحن ضد أمريكا؟ صحيح، هناك سيطرة للعناصر الصهيونية على وسائل الإعلام وهذه السيطرة تكمن خلف اتجاهات الكراهية المعادية للعرب والمسلمين، لكن في المقابل نجد أصواتا عاقلة من اليهود تحذر من اضطهاد المسلمين، المشكلة أن الوجود العربي غائب تماما في الإعلام وبالتأكيد نتحمل المسئولية الأكبر وهذا مما يطول الحديث فيه. وصلنا إلى محطة قطار ليون والتي تقوم منها القطارات المتجهة إلى الوسط وإلى الجنوب، تصل سرعة القطار إلى حوالي ثلاثمائة وخمسين كيلو مترا في الساعة أي ما يقارب سرعة الطائرة النفاثة، أحيانا أشعر بتأثير خفيف يهمس الأذنين، خاصة عند ولوج الأنفاق الممتدة عبر الجبال وصلنا مدينة ليون ليلا، وبدلنا القطار فائق السرعة بقطار ضواحي صغير يقطع المسافة إلى مدينة سانت اتيان في خمسين دقيقة، ركابه قلائل، إنهم ركاب الليل، العائدون من أعمالهم، أو زيارات للمدن الكبرى أو لأسباب شتى، عندما وصلنا إلى محطة سانت اتيان لم يكن أحد في انتظارنا وعبر الهاتف المحمول راح الدكتور أحمد المغربي الملحق الثقافي في باريس يجري اتصالاته ليعرف أي فندق سنأوي إليه. يبدو أن حوارنا مع بعضنا باللغة العربية لفت نظر حارس الأمن بالمحطة، فقدم نفسه إلى إبراهيم أصلان قائلا إنه أمضى أياما جميلة في مصر، وأنه سعد بالجلوس في مقهى نجيب محفوظ، وراح يحدثه بحرارة عن أيامه المصرية خلال رحلة سياحية. ما بقي عنده نجيب محفوظ والنيل بين الأقصر وأسوان، لم يحظ بلقاء محفوظ، إنما جلس فقط على المقهى الذي يحمل اسمه بخان الخليلي، لنتخيل لو أن البرنامج السياحي الذي انتظم عبره هذا الحارس تضمن زيارات إلى البيت الذي ولد فيه محفوظ، إلى زقاق المدق، إلى خان الخليلي إلى السكرية، قصر الشوق، بين القصرين، إنه الدور العميق بعيد المدى الذي يمكن أن يقوم به الأدب بين الشعوب، ها هو حارس للأمن يحدثنا عن محفوظ والنيل ومصر، أصلان وهؤلاء المصريون الذين يتحدثون فيما بينهم بصوت مرتفع في صمت الليل ينتمون إلى ذاكرته التي تحتفظ بلحظات حميمة بعضها من المكان، وبعضها من الروايات الكبرى التي قرأها. غدا يصل إلى مدينة ليون خمسمئة كاتب فرنسي وأجنبي في مختلف فروع المعرفة بقطار خاص إلى مدينة ليون ثم ينتقلون بالسيارات إلى مدينة سانت اتيان، المدينة كلها مجندة لخدمة المعرض وضيوفه، لا تستغرق معارض الكتب عادة أكثر من ثلاثة أيام، دائما في نهاية الأسبوع حيث الإجازة، باستثناء معرض الكتاب الكبير الذي يقام في باريس خلال الربيع الذي يمتد خمسة أيام، عدد المعارض على امتداد السنة ستة وستون معرضا، تنظمها البلديات بمساعدة رعاة من الشركات الكبرى والبنوك، ويمكن لبلدية قرية صغيرة في الريف أن تستضيف أدباء من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، طبعا هم يطلبون الأدباء الذين ترجمت اعمالهم إلى الفرنسية ليكون حضورهم مفيدا وحيويا، أدباء يعرفهم القراء. ولكن عندما يطلب الجانب الفرنسي دعوة أدباء من أحد بلدان العالم الثالث عن طريق وزارات الثقافة طبقا للاتفاقيات المبرمه فإن تلك الوزارات تختار الأدباء الموالين أو تقحم بعض الأسماء التي لا صلة لها بالأدب، أو أسماء يكون السفر بالنسبة لها نوعا من السياحة نتيجة القربي والصلات الحميمة مع المسئولين. عند وصولنا إلى الفندق الذي يقع في منطقة هادئة بعيدة نسبيا عن مركز المدينة حيث المعرض وصلنا ليلا، في الفندق واجهة عرض تحتوي على أزياء غالب عليها اللون الأزرق وتحتها لافته تعلن أن هذه الأزياء مستوحاة من مصر، ومجموعة من الكتب عن الفنون الفرعونية والإسلامية، ليس هذا إلا ملمحا من الاحتفاء بالثقافة المصرية باعتبارها ضيفة شرف المعرض. في الميادين كلها نماذج للمسلات المصرية وللأهرام، ولتماثيل مصرية قديمة، ولوحات خط عربي للفنان الراحل الكبير سيد إبراهيم، وهذا ليس بالهين في الظروف الحالية التي لايمكن إلا للثقافة أن تعبرها، فالثقافة إذا ما أحسن تقديمها والتعريف بها تعد لغة مشتركة للإنسانية بعيدا عن الظروف العابرة من صراع أو تقارب أو خلاف. كان افتتاح المعرض مبهرا، إذ تم عرض مسرحية فاوست لجوته في الساحة الواقعه بين مبنى البلدية وخيمة المعرض، وكان الممثلون يتحركون فوق سيقان خشبية طويلة ربطت إلى سيقانهم بعناية، بحيث أصبح مستواهم أعلى من الجمهور الذي احتشد في الساحة، جمهور من أهالي المدينة وطلبة المدارس الذين منحوا اجازة خاصة ليتمكنوا من حضور الحفل الافتتاحي بدءا من طلبة المدارس الإبتدائية وحتى طلبة الثانوي، كان الممثلون بارتفاعاتهم التي حققتها هذه السيقان الخشبية وكأنهم يتحركون في مسرح غير مرئي، خشبة خفية، وكنا نتطلع إلى أعلى كما نجلس في صالات العرض، لكن الجميع كانوا وقوفا. مع قص شريط الافتتاح بدأ المعرض رسميا، وانتشر الكتاب يجلسون إلى الأماكن المخصصة لهم للتوقيع على نسخ كتبهم للجمهور، أو للحوار مع القراء، أو للإجابة على أسئلة الصحفيين، وبعض التلاميذ الذين جاءوا لإجراء حوارات لصحافتهم المدرسية مع كبار الأدباء، في معظم مقاهي المدينة أقيمت ندوات وفقا لبرنامج منظم، كان للأدب المصري والثقافة المصرية النصيب الرئيسي بها، وكان تعرف وانبهار الجمهور الفرنسي بالخط العربي واضحا لي خاصة عند توقفهم أمام الفنان الشاب مصطفى العمري الذي كان يمارس فنه أمام الجمهور في الجناح المصري، بين الحين والحين كنت أخرج بصحبة صديقي إبراهيم أصلان لنجلس بأحد المقاهي القريبة، وعصرا مر من أمامنا بائع صحف ذو ملامح آسيوية، كان يزعق بصوت مرتفع: مصرع ابن لادن.. مصرع ابن لادن. كانت درجة صوته وطريقته تذكرني ببائع الصحف في الخمسينيات الذي كان يصيح أمام مقاهي ميدان سيدنا الحسين. الحق.. المرأة التي أكلت ذراع زوجها أحد الجالسين بالمقهى تناول الجريدة، قرأ العنوان، ورفع بصره إلى البائع (أين مصرع ابن لادن). قال البائع (في المستقبل، في المستقبل ).. وضحكنا - إبراهيم وأنا، ها هو بائع الصحف يحاول توزيع لوموند، أحد أشهر صحف العالم من خلال اسم ابن لادن في مدينة فرنسية نائية!