كما ان احوال الدنيا كلها تغيرت واختلت موازينها وانعدمت المقاييس المثالية فان الامر بحال من الاحوال طال السادة المثقفين في طول الارض وعرضها، وظهرت في هذا الزمان القريب الذي نعيشه انماط متعددة من المثقفين لديهم الاستعداد للتحول 180 درجة عن مواقفهم وآرائهم اذا ما لمحوا العملة عن بعد أو استشعروا رضاء الكبار عنهم فيما يكتبون وفيما ينشرون على الرأي العام. ومصيبة المثقف انه حين يزل ان زلته تأخذ في طريقها عقول البسطاء والغلابة واولئك الذين لا يستطيعون تكوين اراء خاصة بهم الا بعد ان يرجعوا الى ما كتبه مثقفوهم المختارون. واصبح في عصرنا هذا تعريف المثقف امراً صعباً للغاية ومبعث الصعوبة انه لا يمكن اطلاق كلمة مثقف على عواهنها دونما تحديد نوع الثقافة واتجاه فكر المثقف وانتماءاته واصبح اليوم كل من قرأ مقالا في جريدة او سمع حوارا على شاشة التلفزيون مثقفا لانه يقول مفردات يجهلها من يجالسه وينبهر بتركيب جملها وقوة الفاظها انسان بسيط في افكاره واحلامه وحتى طموحه، والمثقف الحقيقي هو ذلك الرجل البسيط في نقل افكاره لقرائه والعميق في تحليله والمتواضع في نفسه الذي يرى انه جاهل لايزال يتعلم أو عالم لم ينل من العلم والفكر الا قليلاً. والمثقف هو ضمير اي امة وحامل شعلة فكرها يلعب دوراً لا يقل عن دور الجندي المدافع عن وطنه في الميدان أو الطبيب الذي يتصدى لجراحة فيها انقاذ لحياة انسان، فاذا لم يلتزم المثقف بالمعايير التي يجب ان يكون عليها وانحرف وراء الدرهم والشهرة والسلطة فانه ينزل من علياء المثقفين الى حضيض المرتزقين وشتان ما بين الاثنين. ونحن في امتنا العربية احوج ما نكون في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة بل وتاريخ العالم الى عقل المثقف الواعي المستنير المخلص الذي لا يبحث الا عن خدمة وطنه وابناء وطنه ويجعل المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة.. ذلك المثقف الذي يضع الدرهم في آخر اولوياته.