الحال التي برزت مؤخرا في الصحافة ووسائل الاعلام الامريكية والتي تستهدف مصداقية كل من السعودية ومصر ودول عربية اخرى لها معان كثيرة، فالهجوم الاعلامي الراهن هو الاكبر من نوعه ضد الدولتين الحليفتين للولايات المتحدة، ولكن من المفيد ان نعرف بأن هذا الهجوم يقع في وقت تعمقت فيه الصلات بين الولايات المتحدة، وبين كل من مصر والمملكة، وانه من عمل وانجاز الجماعات المؤيدة لسياسة شارون في الساحة الامريكية، بل ان الهدف الرئيسي لتشويه صورة الاعتدال العربي مرتبط بمحاولة خلخلة العلاقة الامريكية السعودية المصرية، وذلك كمحاولة لاستباق انعكاس ذلك على القضية الفلسطينية. بمعنى آخر اكتشفت الجماعات المؤيدة لشارون في الساحة الامريكية بأن الادارة الامريكية قد تفاهمت بمعزل عن اسرائيل مع المملكة العربية السعودية ومصر لتحقيق موقف امريكي وسياسة امريكية جديدة تجاه القضية الفلسطينية لهذا اصرت على اسقاط افاق التفاهم الجديد وآفاق الموقف الامريكي الاخير تجاه القضية الفلسطينية .. هذا يتطلب منا اذن العمل على تفويت الفرصة التي يريد فيها اللوبي الاسرائيلي تخريب العلاقة الامريكية العربية مهما كان الثمن ومهما كانت النتائج على العرب. في هذا السياق نجد ان انضمام الدول العربية او عدد منها للتحالف في اطار او آخر هو امر في غاية الاهمية، فهو يمنع من جهة اندفاع الولايات المتحدة الاعمى في ساحة الحرب، ويضع عليها قيودا مرتبطة بالتحالف وتصورات الحلفاء، ويؤهل الدول العربية للتأثير الايجابي والبقاء في اللعبة السياسية المقبلة، ان القول بالانسحاب من التحالف هو مقدمة لفتح المجال امام الدور الامريكي وليس مقدمة لوضع حدود عليه. ومن جهة اخرى وعلى صعيد القضية الفلسطينية يجب التنبه الى ان السياسة الاسرائيلية الراهنة تقوم على اتباع سياسات تعسى لوضع الفلسطينيين في اطار يفرض عليهم شن هجمات جديدة على اسرائيل. اذ تسعى اسرائيل لضمان استمرار العنف الفلسطيني وذلك بهدف ارباك مقدرة الادارة الامريكية على الضغط على اسرائيل لايقاف تماديها ضد الشعب الفلسطيني. ان هدف رئيس الوزراء الاسرائيلي هو تحييد الموقف الامريكي، ولعب دور ضحية الارهاب العربي وذلك لاخذ الضوء الاخضر لاعادة احتلال المناطق الفلسطينية واخراج الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية من المعادلة السياسية والدولية. وبينما لا تشكل الشعارات الصاخبة التي عودتنا عليها الحركات السياسية في الشارع العربي منذ عدة عقود حتى اليوم اساسا لايقاف المعارك او ايقاف الاندفاع الامريكي في افغانستان، الا ان الحوار الداخلي العربي يشكل جانبا في غاية الاهمية لعدم دفع الاوضاع العربية الداخلية نحو المواجهة والفرز بين اسلاميين وغير اسلاميين وبين معتدلين وغير معتدلين. بل تشكل عملية بناء اللحمة الداخلية على ارضية وسطية اقل صخبا واكثر مقدرة على التأقلم مع الاوضاع الجديدة امر هام. وقد يكون مطلوبا من القوى الاسلامية والشخصيات الاسلامية اعادة النظر في بعض ابعاد خطابها السياسي والاجتماعي والفكري لصالح انضاج التجربة الاسلامية والتعامل مع المتغيرات والمستقبل، وقد يكون مطلوبا من القوى غير الاسلامية عدم استغلال الوضع لتصفية كل الحسابات القديمة والجديد مع التيار الاسلامي، اذ يجب ان تبقى هناك حدود دنيا وقيم اخلاقية في التعامل العام وخطوط لايجري تجاوزها في عملية الحوار والاختلاف بين التيارات السياسية العربية، ولنتذكر بأن الضجيج الجماهيري لم يوقف هزيمة 67، كما ان التصعيد الجماهيري لم ينجح في منع التحالف الدولي في انجاز تحرير الكويت عام 1991، لهذا تشكل بعض اصوات الاعتدال العربية والاسلامية التي طحنتها المراحل السابقة قوة دفع ايجابية وعنصرا مساعدا في عملية اعادة بناء اللحمة الوطنية الداخلية في كل دولة عربية. ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت