من سخريات المفارقات في الأحداث الجارية على منوال الحروب المتوالية وبمسافات زمنية قياسية تكاد لا تتوقف حتى تبدأ غيرها، ان حرب الافغان ضد الروس بعد المساعدات الأمريكية السخية، قد تحولت عبر الزمن إلى حروب قبلية وأهلية لم تستمر طويلاً حتى شنت أمريكا المعينة سابقاً حربها في هذا القرن ـ الذي بشرنا باختفاء الحروب من قاموسه ـ ضد أفغانستان الارهاب، وليس الاسلام أو الشعب. بما ان في السياسة كل شيء متوقع، فإن المتابع للخطاب الطالباني يلاحظ أن اللغة المستخدمة اليوم في محاربة أمريكا نفسها التي استخدمت بعد ان تم دحر الروس واجلاؤهم عن الديار المدمرة، وهي لا تحتاج ولا تحتمل المزيد من القصف والعصف لأن أهلها لم يقصروا في أداء هذا الواجب تحت مسمى الجهاد ضد الروس وضد بعضهم البعض واليوم ضد أمريكا، بعد خروج الروس منكسي الرؤوس من ورطة أفغانستان، كان الحديث مفعماً بأطنان من العاطفة التي لا تكفي وحدها لتحرير النفوس والرؤوس من الاحتلال قبل تحرير الأراضي المحتلة في أي مكان، فقد تم ربط فتح كابول على الفور على أساس انها الخطوة الأولى نحو الاتجاه إلى فلسطين، ومرت السنون العجاف ولم تفتح القدس عن طريق كابول كما انها لم يحررها النظام العراقي عن طريق غزو الكويت، وها هي فلسطين أسيرة بيد ألعن خلق الله، وها هي كابول أسيرة بيد من لم يتمكن من عمرانها، وها هم الأسرى الكويتيون ما زالوا أسرى بيد نظام ما زال يصر على أنه هزم أمريكا في كل مرة تقوم فيها بقصف العراق. لغة الربط بين كابول وفلسطين أصبحت لغة من لا حيلة له وهي أبعد ما تكون عن لغة السياسة المطلوبة في وقت لا يمكن تشبيه أمريكا بالامبراطورية الروسية المهزومة سابقاً ولاحقاً. فهذا الخلط في معركة اليوم يؤذي القدس وما حولها أكثر مما ينفعها، فما لم يتم تحقيقه لصالح الأفغان منذ أكثر من ثلاثة عقود من عمر المقاومة من أجل تحرير الذات، لا يمكن التعويل عليه لتحرير الآخرين، وان كانت القضية تقع تحت طائل الاستعمار الصهيوني الجديد لمقدسات العرب والمسلمين في أكثر من دولة. ان تحويل الانظار والتركيز الشديد على ان ما يحدث في أفغانستان هي حرب ضد الاسلام والمسلمين أجمعين، هو المطلوب انتشاره اليوم بين جميع الدول، يعطي انطباعاً واضحاً على ان اسلام طالبان هو المعتبر لاسلام العالم الاسلامي، فالوقوع في هذا المطب يحمل المسلمين تبعات ما يصدر منهم من مواقف يدفعون ثمنها غالياً على حساب الاسلام المظلوم الوحيد في هذه الحرب التي تستهدف الارهاب وجذوره الممتدة في أي مكان.