بعد ان انتصف القرن الماضي، ثم أوغل قليلاً في عدد السنين، كان جيلي قد شرع يقرأ.. ولما كانت العين بصيرة تود لو تطل على العالم كله.. فيما كانت اليد قصيرة من ناحية الدخل والتمويل.. فقد كان الكتاب امراً عزيز المنال.. ناهيك عن الجريدة أو المجلة التي لم يكن يقتنيها سوى القلة من وجهاء الجيرة وأفندية الموظفين، أيامها كانت المسائل من أبسط ما يكون: إذا كان القوت مكفولاً والكساء مقبولاً والمدرسة مفتوحة الأبواب، فما هي حكاية الكتب والمجلات التي لا تفتأ تطالعنا بسيرتها على آخر الزمن؟ ثم ألا يكفيك، ومن على شاكلتك، ان تقرأوا الكتب العظيمة الرصينة التي قررتها عليكم وزارة التربية والتعليم؟ (كانت في الزمانات تحمل اسماً فخيماً ومهيباً هو وزارة المعارف العمومية)، والحق نقول انه كانت كتبها الرسمية فخيمة ومهيبة بدورها .. الصفحات مصقولة والصور تنطق بأزهى الألوان والعناوين بخط النسخ الديواني الجليل والتجليد فاخر والورق يفوح منه عطر الجدة والجدية والمهابة في آن.. ولا عجب فالمدارس كانت قليلة العدد والتلاميذ كانوا بدورهم قليلين، وهو ما كان يصدق بدوره على حجم السكان (كانوا في مصر نحو 20 مليون نسمة، وهم الآن باسم الله ما شاء الله يزحفون ركضاً إلى خانة السبعين مليوناً). بيد ان دنيانا كانت وقتئذ خالية من جهاز التلفاز ـ دع عنك الحاسوب وأطباق الدش وتنويع الفضائيات، بل كان جهاز الراديو عزيزاً لا يكاد يقتنيه سوى أهل الرغد والدعة واليسار (بمعنى يسر المعيشة وليس اليسار السياسي الذي كان أصحابه وأتباعه أغلب من الغُلب كما يقولون). ولم يكن ترياق الحل في السينما، دار الخيالة كما كان معلمونا يصرون على تسميتها في مواضيع الانشاء التي كنا نكتبها لارضائهم ونحشوها بمثل هذه التعابير وبأخواتها من قبيل وبعد ان تحادثت مع صديقي في المسرة، فتحت الصوان ولبست درّاعتي ثم تناولت تفاحة من فوق الخوان وبعدها توجهنا إلى دار الخيالة، ولك بالطبع ان تتصور ان هذا كله لم يحدث دائما كان الأمر نفاقا من جانبنا التلاميذ المغلوبين على أمرهم وزلفى لارضاء الاساتذة المعلمين، وكان نفاقاً جميلاً في كل حال. وعلى مستوى الترجمة اللغوية كانت المسرة هي الاسم الفصيح حتى لا نقول المصطلح الرمزي ـ الكودي او اسم الدلع مثلاً للتليفون، وطبعاً لا نحن ولا أي من أصدقائنا لمس في حياته هذا الجهاز العجيب (كان لونه أسود على طول الخط لأنه كان ملك الحكومة وحكراً لوزارة المواصلات) إلا بعد الالتحاق بجامعة القاهرة وربما بعد التخرج منها، ولأن الألفاظ والكلمات لها حظوظ، ونصيب مثل حظ البشر وأقدارهم سواء بسواء، فقد اندثرت كلمة «مسرة» وعاشت كلمة هاتف في مشرق الوطن العربي والجزيرة، وما زالت كلمة تليفون تناضل من أجل البقاء والاستمرار، في مصر بالذات (70 مليوناً كما سلف بيانه أعلاه). أما الصوان فهو خزانة الملابس وقد حارت البراري العربية في وصفها حيث هي الدولاب في مصر فيما لا يزال الدولاب هو اطار الكاوتش ـ عجلة المركبة، وحيث الاطار في اصقاعنا اليعربية المغاربية هو الكادر الفني من العاملين والموظفين.. كل هذا ومجامعنا اللغوية الخالدة لا تزال تتفرج، وأما الدراعة فهو ـ بعد اذنك ـ الوصف المجمعي للسترة أو بلفظ الجاكيتة وقد توصل إليه على ما تعي الذاكرة القصاص الراحل محمود تيمور، ابن العائلة الارستقراطية الشهيرة، الشغوف ـ رحمه الله ـ بتعريب ما كان يسميه باسم «الفاظ الحضارة» وكان يبذل في هذا جهداً محموداً.. مثل اسمه سواء بسواء. ثم ما حكاية التفاحة من فوق الخوان؟ المشكلة هنا ان التلميذ كاتب موضوع الانشاء أمعن في الخيال حتى لا نقول الكذب المدرسي أو الاكاديمي الصريح. الخوان في اللغة هو الطاولة الأنيقة الفخمة الموضوعة طبعاً اما في ركن من باحة البيت أو في حجرة المائدة ـ السفرة بالسين المضمومة كما يقول المصريون، ولم يكن في بيوتنا في معظمها على الأقل كل هذا اللون من الأثاث الأنيق الفخيم دع عنك ان يكون فوق الخوان اياه ذلك الصنف العزيز من الفاكهة الذي كان يحمل اسم «التفاح» صحيح ان التفاح بات يملأ الآن شوارع القاهرة بل والأزقة والحارات بعد ان توسع القوم في زراعته وخاصة في الأراضي المستصلحة من أطراف وادي النيل إلا انه كان صنفاً مستورداً في منتصف القرن الماضي وبالتالي كان باهظ الثمن عزيز المنال، ولأمر ما شاء المصريون ان يضفوا على التفاح وصف «الأمريكاني» رغم انهم كانوا يستوردونه من لبنان أو من قبرص أو اليونان وما حولها، وربما كانوا في ذلك متأثرين بعبارات الكوميديان نجيب الريحاني (العراقي الأصل والمصري النشأة والابداع) التي وصف فيها خدود بطلة أحد أفلامه بأنها أشبه بتفاحة أمريكاني الذي تباع الأقة منه بسبعة صاغ، وكان ذلك في عصر استخدام الأقة وهي اكبر قليلاً من الكيلو وربما يكون تصغيرها أوقية ـ أونصة، وهو نفس العصر الذي كانت الوحدة الأقل للميزان هي الرطل ـ الباوند التي كادت تنقرض من موازين الناس اللهم إلا في أمريكا التي مازالت متمسكة ـ كما نعلم ـ بالباوند في وحدة الوزن وبالميل والياردة في حركة القياس الأمر الذي يجعل أمثالنا من الزائرين يعيشون في حالة جمع وطرح وضرب وقسمة خلال عمليات البيع والشراء، وسط هذه الظروف كلها اختار جيلي ان يواصل القراءة وكانت حروف المطبعة هي نافذتنا شبه الوحيدة للاطلالة على ما يدور على الجانب الآخر من الأسوار، عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، دنيا الآمال في أواخر الخمسينيات عالم الأشواق إلى التغيير إلى الحرية والاستقلال إلى التنمية والعدل الاجتماعي والابداع الانساني في الستينيات، والحق نقول ان كانت البداية بعيدة تماماً عن ارادة الاختيار، بمعنى ان كنا نقرأ كل ما تقع عليه عيوننا أو كل ما يتناهى إلى أيدينا، هكذا عرفنا الطريق إلى مكتبة المعلم خربوش في درب الجماميز الحي الذي يقع على أطراف السيدة زينب وباب الخلق وعابدين ـ قاهرة القرن التاسع عشر ومقتبل القرن العشرين كما قد نصفها، ولقد تلوت الفاتحة على روح المعلم خربوش حين قرأت نعيه في الأهرام الدولي وأنا في غمار تغريبتي الحالية بأمريكا، ولعله رحل عن الدنيا وقد تجاوز التسعين بكثير أو قليل وله عند مولاه خير الجزاء. إذ كان يمدنا بالكتب المستعملة وأحياناً الكتب الكلاسيكية القديمة (ودكانه على مقربة نسبية من حي الأزهر وسيدنا الحسين)، وكان ذلك لقاء دراهم أقل من معدودة، وكم كان يبتسم صبراً أو يؤجل تقاضي المعلوم الزهيد إلى ان يفرجها الله ويدفع له المستعيرون ما استحق عليهم من ديون شرطه الأهم والوحيد هو اعادة الكتاب بكل وسيلة (حتى يستفيد غيرك يا افندي!). المشكلة ان الخيال الصبي شدنا إلى روايات اللص الشريف أرسين لوبين التي كان يعكف على نقلها إلى العربية أساتذة كم كانوا مخلصين لحرفتهم وكم كانت لهم أياد بيضاء على تكوين جيل كامل وربما أجيال من قبل ومن بعد وما زالت الذاكرة تعي منهم اسم عمر عبدالعزيز أمين ومحمود مسعود ومحمد بدر الدين خليل. (وما أعجب صنيع الذاكرة التي يمكن ان تنسى مثلاً أحداث الأمس القريب القريب) وكانوا يترجمون أرسين لوبين عن الفرنسية التي يكتب بها مؤلف اسمه لويس لابلان.. كان ولا شك متواضع القيمة لكنه كان قادراً حتى مع الترجمة على ان يثير خيال جيل كامل من الفتيان الذين كانوا قد فارقوا لتوهم طور الطفولة وباتوا يقفون على مشارف مرحلة جديدة متشوقين إلى الاطلالة على عالم جديد. كان أرسين لوبين هو البداية الأكثر من متواضعة ولكنها على تواضعها فتحت الباب إلى أطلال أخرى، يومها صادفنا ترجمات استعرناها من دار الكتب التي عرفنا أيضاً طريقنا إليها وعرفنا معها كيف يكون الاسلوب رصيناً والعبارات بليغة والأداء اللغوي من أرفع ما يكون، كانت الكتب المترجمة وارد سوريا ولبنان وما زال القلب يخفق حين يتذكر اسماء دور النشر وعناوين من قبيل: دار اليقظة العربية للطبع والنشر، ودار العلم للملايين، وكنا نحن ممن أفادوا يقينا من هذه اليقظة، وكان العبد الفقير واحداً، مجرد واحد من هذه الملايين. يومها روعت نفسي حين صادفت اكتشافي المذهل: أعمال انطون تشيكوف. وعنه وعن ابداعاته يتصل الحديث بإذن الله.