في حديثه لقناة الجزيرة عبر برنامج الاتجاه المعاكس الاسبوع الماضي، أعاد الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي أحد وجوه ظاهرة الارهاب الأكثر الى مربعه الصحيح، وهو فترة «الجهاد» ضد التدخل السوفييتي في افغانستان في نهاية، السبعينيات. ونقول أحدها فقط لأن لظاهرة الارهاب تواريخ أخرى وجوانب متعددة، بعضها تحفظه الذاكرة العربية وبعضها تمر عليه مرور الكرام. من ذلك مثلا الوصفة الامريكية التي عممتها ادارة الرئيس الاسبق جيمي كارتر في السبعينيات على البلدان العربية في اطار مكافحة الخطر الشيوعي، والقاضية بتقوية التيارات الاسلامية ودعمها، لسحب البساط من تحت أقدام تيارات اليسار العربي.وقد اتبعت كثير من الدول العربية بالفعل هذه الوصفة ونجحت فيها الى حد كبير، غير انها بدأت تدفع الثمن فيما بعد، وأول الثمن كان حياة الرئيس المصري السابق أنور السادات، حين انقلبت عليه الجماعات المتطرفة واغتالته. لكن حرب افغانستان شكلت منعطفا حاسما في تاريخ ظاهرة الارهاب وحددت بصورة أكيدة طبيعة نموها ونشاطها المستقبلي. وربما لا تكتمل الصورة لفهم ما حدث في بعض البلدان العربية في التسعينيات من أعمال عنف وارهاب، وما حدث في الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة، وما يحدث على أرض افغانستان اليوم وفي العالم منذ السابع من اكتوبر الجاري، بدون فهم ما جرى في تلك الفترة. فدخول الولايات المتحدة وحلفاؤها، العسكري والسياسي والمادي الكثيف على ساحة «الجهاد» الافغاني، لم يسفر في نهاية المطاف عن اخراج القوات السوفييتية مهزومة من افغانستان ومن الدنيا فحسب، لكنه أوجد بيئة اقليمية وعالمية لنشاط الارهاب وازدهاره اللاحق. ويمكن القول انه بفضل تلك الاحداث تشكلت لأول مرة، إذا جاز التعبير، أممية اسلامية، جمعت بين ظهرانيها مقاتلين من جميع الدول العربية وربما الاسلامية.ومثلما كان لهذه «الأممية» نشطاؤها ومقاتلوها كان لها كذلك منظروها ومفكروها. وبحكم الصبغة العالمية لتلك الاحداث تشكلت في متنها وعلى هامشها منابر اعلامية وثقافية ودعوية مختلفة من جهة، ومن جهة اخرى شبكات مالية وسياسية منتشرة في كل العالم، ودعمها عشرات وربما مئات من الجمعيات الخيرية والمؤسسات التجارية ذات النشاطات المتنوعة. بكلمة اخرى تشكلت بنية كاملة للارهاب وهي البنية التي تريد اليوم الولايات المتحدة ضربها وانهاءها. وما ان وضعت الحرب الامريكية السوفييتية في افغانستان أوزارها، وانتقل الثقل الى الاقتتال الأفغاني الداخلي، حتى باتت الفرصة سانحة أمام الأممية الجديدة لتلقي بظلال انشطتها على مساحات أوسع من الساحة الافغانية. وهنا انتشر لهيب الارهاب ليضرب جميع من ساهموا بأموالهم أو بأسلحتهم أو بدعمهم السياسي في تلك الحرب، بدءا من الدول العربية وحتى الولايات المتحدة نفسها. لكن ضرب الولايات المتحدة شاء ان يتأخر قليلا لعوامل وظروف موضوعية. وفي حين عانت الدول العربية مثل مصر والجزائر بخاصة، طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من ضربات الجماعات المتطرفة، كانت الولايات المتحدة والحكومات الغربية تتفرج غير عابئة بما يجري في الطرف الآخر من حلفائها السابقين في «الجهاد» الافغاني.وطوال هذه الفترة كان نفس الدرس يتكرر كل يوم، لكن الادارات الامريكية ومعها بعض الحكومات الاوروبية لم تتعلم شيئا، بل انها بدلا من ذلك سعت الى تقديم التنازلات والاغراءات لهذا الارهاب، أملاً في درء شروره. وليس صدفة ان جميع من تتهمهم الولايات المتحدة في ضرب مبنى التجارة العالمي ومبنى البنتاجون دخلوا الاراضي الامريكية بطرق عادية وسهلة. وكثير من هؤلاء عاشوا على أرضها ودرسوا فيها. بل ان من ضربوا مبنى مركز التجارة العالمي في المرة الأولى عام 1993، بما في ذلك زعيمهم الشيخ عمر عبدالرحمن، كانوا يعيشون في الولايات المتحدة، في حين ان العواصم الأوروبية استقبلت طوال العقد الماضي آلاف الافغان العرب وأعطتهم الجنسيات وسهلت لهم الاستمرار في نشاطاتهم السياسية والمالية والإعلامية! الحلقات الضعيفة إن من طبيعة الاندفاعات القوية انها تضرب أولا الحلقات الضعيفة أو القابلة للانكسار. ولهذا فإن «الأممية الافغانية» ركزت نظرها في البداية على بعض البلدان العربية، بغية مواصلة «الجهاد» وتكرار السيناريو الافغاني بصيغ جديدة. وقد عاد لهذا الغرض بطرق مختلفة آلاف الافغان العرب ممن شاركوا في «الجهاد» الافغاني الى بلدانهم ـ التي شجعتهم في باديء الأمر وسهلت لهم الاشتراك في هذا الجهاد، وبعضها ساهم بصورة فاعلة ضمن الحملة الامريكية ـ عادوا الى مصر والجزائر وليبيا واليمن والسعودية وبعض دول الخليج، وبدأ كثير من هؤلاء يفتش عن أدوار جديدة لها علاقة هذه المرة بالأوضاع السياسية الداخلية. وكان الشعار الذي تمحور حوله هذا النشاط هو محاربة السلطة «الكافرة» واقامة الدول الاسلامية، ثم تطور الى محاربة «المجتمع الكافر» وتفرعت عنه شعارات اخرى من قبيل طرد القوات الأجنبية. وطوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات ترجمت هذه الشعارات في مصر مثلا الى أعمال قتل وتفجيرات طالت عشرات الآلاف من المدنيين من مسلمين واقباط ورجال الشرطة والسياح الأجانب. كما استهدفت اغتيال مسئولين كبار في الحكومة المصرية وكتاب وصحفيين، وتوجت بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اثيوبيا عام 1995. وفي الجزائر التي بدأ فيها العنف منذ نهاية الثمانينيات، وليس بعد الغاء الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الاسلامية للانقاذ كما يشاع خطأ، بدأ هذا العنف عبر الهجوم الذي شن على مركز قماط الحدودي بين الجزائر وتونس في عام 1989، بواسطة مجموعة متطرفة يقودها شخص يدعى بويعلي مصطفى، وقتل في هذا الهجوم عدد من حرس الحدود الجزائريين ذبحا. واستمر العنف والقتل بعد ذلك وتصاعد حتى بلغ ذروته في أواسط التسعينيات مع المذابح المروعة التي شهدها الوسط الجزائري مثل سهل متيجة. ويقدر المحللون عدد ضحايا الارهاب في الجزائر والمستمر حتى اليوم بأكثر من 100 ألف قتيل. وجرت عمليات اخرى أخف تأثيرا في بلدان عربية اخرى مثل تونس واليمن والسعودية وليبيا ولبنان. وفي هذا الصدد يقول العقيد بأسى ومرارة واضحة «الذين تطوعوا في افغانستان رجعوا بعد أدائهم المهمة وخروج الجيش الروسي الى بلدانهم ومنها ليبيا.. رجعوا مجانين مسعورين يريدون قتل كل من هو مسلم أو عربي.. كيف نجازي الجزائر أو ليبيا أو مصر اللي منها ناس متطوعين؟». طبعا العقيد القذافي يتكلم هنا بصراحة من لدغته الافعى، لكن في خضم ذلك فإن بعضا من الدول العربية لم تطلها نار الارهاب، وهي الدول التي لم تتورط في حرب افغانستان، مثل العراق وسوريا والمغرب. هذه الدول سلمت ليس لأنها أشد قمعا وقوة امنية من سواها، وإنما لأنها لم تتورط في «الجهاد» الافغاني ولم توافق على ارسال متطوعين من مواطنيها الى هناك. التلاعب بالارهاب أقول ان الولايات المتحدة لم تتعلم الكثير من تجربة البلدان العربية مع الارهاب، بل انها كانت تمارس نوعا من الاستعلاء وتقمص دور الناصح تارة والناقد تارة اخرى لهذه البلدان مذكرة اياها مرارا وتكرارا بافتقارها الى الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. وغياب الديمقراطية وقمع الحريات في البلدان العربية هو حديث صحيح بالطبع. ولا يمكن لأحد ان يتغافل عن دور أجهزة القمع في هذه البلدان، سواء كانت عسكرية أو مدنية في تخريب المجتمعات العربية، وزرع النقمة في صدور ملايين المواطنين العرب. بل سنذهب أبعد من ذلك لنقول ان كثيرا من هذه النظم مفلس سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا، ولم يعد له من دور ليفعله سوى الذهاب الى القبر ليريح ويستريح. لكن غياب الديمقراطية أو ممارسة القمع لا يبرر عنف الجماعات الاسلامية وارهابها، وهو لا يبرر في كل الاحوال قتل المدنيين وذبح الاطفال في الجزائر أو في مصر. وإلا كان علينا ان نصدق تبريرات من يدافعون عن عملية ضرب نيويورك وواشنطن بالطائرات المخطوفة، حين يقولون بأنه رد فعل على عدم عدالة الولايات المتحدة وانحياز الخارجية لاسرائيل! ولا أزال أتذكر دراسة امريكية صدرت في أوساط التسعينيات، تتوقع انهيار الدولة الجزائرية أمام الجماعات المسلحة، وانتصار الجبهة الاسلامية للانقاذ. وكانت هذه الدراسة تمهد لاعتراف امريكي بهذا التطور في حال حدوثه. وهو ما حدا بادارة الرئيس بيل كلينتون الى استضافة أحد قياديي جبهة الانقاد في الخارج وهو أنور هدام. ولنتصور لو ان جبهة الانقاذ الجزائرية قد انتصرت فعلا، فكيف سيكون عليه حال الولايات المتحدة اليوم؟ لا نقول ذلك لمضاعفة الجروح الامريكية مما حدث لها في الحادي عشر من سبتمبر الماضي. فهذا كان ارهابا بشعا، وهو مدان، وعلى الولايات المتحدة ألا تتسامح أبدا، الآن أو في المستقبل، مع هذه الجماعات أيا كان لونها أو شكلها أو الاغراءات الكامنة وراء استغلالها. لكنه لم يكن قدرا لو ان الادارات الامريكية المتعاقبة تصرفت على نحو مغاير تجاه ظاهرة الارهاب، ولو انها منذ البداية حزمت أمرها تجاه الارهاب. نقول ذلك، لنستخلص جميعا درس الارهاب المر، وهو درس من أبرز عناوينه انه من الخطأ الفادح ان التلاعب مع الارهاب أو استخدامه في العلاقات بين الدول أو داخل الدولة الواحدة.. فمن طبائعه انه ينقلب ليحرق أصابع محركيه وممديه بأسباب الاشتعال ولو بعد حين. ـ كاتب من البحرين