من يراقب المؤتمرات الصحفية التي يعقدها وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد بدقة يجد نفسه امام رجل زائغ العينين، مضطربا، في معلوماته التي يتحدث بها الى الصحفيين، واتمنى من كل قاريء لم يكن يلاحظ هذه الملاحظة ان يسعى لرصدها من الآن، واعتقد ان رامسفيلد، قد ورط الادارة الامريكية كثيرا من خلال هذه المؤتمرات التي يبدو فيها زائغ العينين ودائما ينظر الى رئيس الاركان ريتشارد مايرز كلما وجه اليه سؤال من احد الصحفيين وكأنه لايدري ماذا يقول او انه ليس لديه معلومات. والرجل في النهاية لا يقول شيئا حتى انه في احد مؤتمراته الصحفية الاخيرة اراد ان يرد على انتقاد الصحفيين له بانه لا يقول شيئا بحجة الاسرار العسكرية، فبدأ حديثه لهم قائلا: «اعرف انكم تواقون لمعرفة معلومات وانني سوف اكون دقيقا في معلوماتي معكم هذه المرة» ثم واصل الرجل ما يقوم به كل يوم، لكن الصحفيين حاصروه هذه المرة لاسيما بعدما اعلنت حركة طالبان عن اسقاط مروحية امريكية سقطت على جبل «بابا صاحب» القريب من قندهار، وقامت قناة الجزيرة بتصوير حطام الطائرة وعرضته محطات التلفزيون الامريكية والعالمية. لكن وزير الدفاع الامريكي كذب ما شاهده العالم اجمع، وحينما اشتد عليه الحصار من الصحفيين قال انه حطام قديم، ولاندري هل كانت هناك مروحيات امريكية قديمة تذهب الى افغانستان قبل اعلان حربها على حركة طالبان! ايضا ظل وزير الدفاع الامريكي ينفي سقوط قنابل امريكية او صواريخ على المناطق المدنية في افغانستان، وفي النهاية اقر بأن بعض الصواريخ والقنابل ضلت طريقها، وظلت القنابل والصواريخ الامريكية تضل طريقها كل يوم حتى اصبحت المساجد والمستشفيات وملاجيء المسنين الافغان ومستودعات الغذاء الخاصة بالصليب الاحمر الدولي هدفا لها، وكان الوزير يقول دائما ان ادعاءات طالبان كاذبة حينما اعلنت طالبان ان مستشفى قد ضرب في هيرات وقتل على اسرته مئة مدني، حتى اعلنت الامم المتحدة يوم الاربعاء الماضي في مؤتمر صحفي عقدته الناطقة باسم الامم المتحدة في اسلام اباد ستيفاني بانكر ان مصادر مستقلة اكدت تدمير المستشفى والمسجد، وحينما قصفت القوات الامريكية قبل اسبوعين قرية قريبة من مدينة جلال اباد وقتل في القصف مئتا مدني، وقامت طالبان بالسماح للمراسلين الاجانب بزيارة القرية وتصويرها والكتابة عنها، اصر وزير الدفاع انها كانت ثكنة عسكرية، اما كابل وقندهار فتقوم قناة الجزيرة يوميا بتصوير المنازل التي تقصف والنساء والاطفال والعجائز الذين يلقون حتفهم تحت انقاضها ثم يظهر السيد رامسفيلد امام الكاميرات ليقول انه بحاجة الى مصادر مستقلة لتأكيد ذلك. وقد كتب الصحفيان الامريكيان بول ريتشر وبيتر باي تقريرا في صحيفة «لوس انجلوس تايمز» نشرته «الشرق الاوسط» بالتوازي يوم الجمعة الماضي تحدثا فيه عن الاخطاء الفادحة التي تقوم بها الطائرات الامريكية في ضرب اهدافها في افغانستان، وقد ضربا مثالا بما حدث في منتصف اكتوبر الماضي حينما ألقت احدى الطائرات قنبلة من زنة الفي رطل على صف من المنازل في كابول فدمرته وأدت الى مقتل اربعة مدنيين. والعجيب ان العالم كله يشاهد الصور على شاشات التلفزة ثم يأتي الوزير ليكذب كل شيء، وينفي كل شيء، حتى كانت ورطته الكبرى يوم الخميس الماضي، حينما ادلى بحديث الى صحيفة «يو اس ايه توداي» الامريكية واسعة الانتشار كرر خلاله ـ كما قال المحرر ـ القول بانه سيكون من الصعب جدا قتل ابن لادن او القبض عليه، العالم واسع، وهو يملك الاموال الطائلة، والكثير من المؤيدين، وليس متأكدا من ان عملية القبض عليه في هذه الظروف ستنجح. هزت هذه التصريحات العالم اجمع واصابت الرأي العام الامريكي بخيبة امل كبرى حينما نشرت، ويبدو ان الوزير الذي يكذب حتى على نفسه افاق على ما قاله، فسارع بالاعتذار في اليوم التالي محاولا امتصاص غضب الشارع الامريكي، قائلا بان ما صرح به في المقابلة التي اجراها كل من جوناثان وايزمان واندرياستون عن ان الولايات المتحدة قد لا تكون قادرة على القبض على ابن لادن ربما يكون زلة لسان تماما مثل زلة لسان الرئيس بوش حينما اعلن عن حملته الصليبية على افغانستان. وحديث رامسفيلد مليء بالضبابية والاهتزاز وعدم تقدير ما يقوله، فرجل في مكانته ووضعه من المفترض ان كلمته تزن جبالا لا ان تقال اليوم وتسحب غدا او يقر هو ضمنا او البنتاجون بانه لم يكن صادقا، كما يجري في المؤتمرات الصحفية وكما حدث في حواره الصحفي الذي فاجأ فيه العالم بما قاله، لا سيما وانه هو الذي حدد ابن لادن كهدف لحملته ثم يعلن الآن انه سوف يفشل في تحقيقه، مما جعل كثيرا من المراقبين يرون في هذا الكلام من وزير الدفاع انه بمثابة اعلان هزيمة مبكرة للولايات المتحدة في افغانستان. والعجيب ان رامسفيلد هو احد ابرز من يديرون المعركة بل من يحركون القرار على الساحة الامريكية، فهو طيار سابق في البحرية الامريكية، وكان اصغر وزير دفاع في تاريخ الولايات المتحدة حينما تولى وزارة الدفاع في عهد الرئيس جيرالدفورد عام 1975، وكان عمره آنذاك اربعة وثلاثين عاما، واليوم عمره ثمانية وستون عاما، ويعتبر اكبر وزير دفاع في تاريخ الولايات المتحدة ايضا، ويعتبر من المتشددين الداعين الى زيادة القوة العسكرية الامريكية وزيادة هيمنتها على العالم، ويشير كثير من المراقبين الى انه هو الذي دفع الرئيس بوش الى تصريحاته المتشددة في بداية الازمة، وهاهو الآن يتخبط في تصريحاته بشأن ادارة المعركة! ان المعركة كما قال الرئيس بوش طويلة وقد تمتد الى عشر سنوات، لكن رامسفيلد الذي يقود هذه المعركة هل سيظل يتخبط في مؤتمراته واحاديثه الصحفية ثم يأتي في اليوم التالي دائما لينفي ما قاله او يقر بان لسانه قد زل او ان المصادر المستقلة التي يطلبها قد اكدت انه كان يكذب. لقد بدأت المعركة .. ولكن كيف ستكون نهايتها مع هذا الوزير المهزوز؟ ـ كاتب واعلامي مصري