طفح الكيل وزاد خصوصاً في غياب أو عدم وضوح ما إذا كان الأمر الذي سأتحدث عنه ممنوعاً أو مسموحاً به، وإن كنت أظن ان الأخيرة أقرب إلى الأذهان وسأشرح فيما يلي هذه المشكلة التي ليست المرة الأولى التي أتطرق إليها، وإن كنت آمل ان تكون الأخيرة أو حتى قبل الأخيرة. هذه المشكلة التي استفحلت وتحولت إلى ظاهرة سلبية غير حضارية تسيء إلى مجتمعنا وتنال من سلوكيات وأخلاقيات اعتاد أهلنا الحفاظ عليها ومراعاتها. أما الظاهرة التي أعنيها فهي التسول الذي لم يعد قاصراً على مشهد رجل مسن يجلس على قارعة الطريق، يسأل المارة حسنة، أو آخر لامرأة تضع النقاب على وجهها تلح في سؤال الناس في الطرقات والأسواق بل وحتى البيوت طالبة دراهم تطعم رضيعها وتكفي لسد أفواه أبنائها الجياع، بل انه تعدى كل الأساليب القديمة النمطية وكغيره كان له نصيب من أدوات التكنولوجيا وتقنيات العصر ودخل «الكار» غرباء تسللوا إليه لسهولته وتواضع رأسماله ووفرة أرباحه، فأصبح التسول تجارة رائجة لأناس دأبوا على الكسل واستساغوه، وتأليف حكاية لم يتمكنوا من احكام حبكتها فأصبحت مكشوفة للناس، بعد ان حفظوها عن ظهر قلب، وملوا سماعها، لأنها ببساطة شديدة حكاية ملفقة من ألفها إلى يائها، تبعث على الشفقة والرثاء لحال السائل ليس لفقره وحاجته ـ كما يدعي ـ بل لأنه وصل إلى هذه الدرجة من الاستهتار بنفسه وكرامته وأسرته التي ترافقه في السيارة الفارهة التي قدم بها من دولة مجاورة تحمل السيارة لوحة الارقام الخاصة وقبل على نفسه ذل الآخرين له، وهم يرفضون طلبه، ويلقنونه درساً في صدق الكرامة وحفظ ماء الوجه ويدعونه إلى الاقلاع عن هذه العادة ويحثونه على الكسب المشروع والعمل الشريف وهو في عز شبابه. والواقع لا يعنيني ولا غيري شخص المتسول ولا سيارته الـ «sport»، ولكن ما يعنينا كثيراً ولا يمكن السكوت عليه أبداً هو حجم الاساءة التي يوجهها هؤلاء إلى بلادنا والصورة المشوهة التي يقدمونها عن ناسها للآخرين من زوار ومقيمين، ومدى الازعاج الذي يسببونه لهم باستهتارهم وضربهم لكل قيم وعادات أهلنا ومجتمعنا، لتحقيق مكاسب وأرباح خاصة، مستغلين قرار التنقل الحر بين دول الخليج دون تأشيرة دخول أو قيود، وطيبة أهل البلد الذين يهبون لمساعدة كل ذي حاجة وإعانة ابن السبيل في غربته حتى يتمكن من العودة إلى أهله ودياره. رغم ان هؤلاء يدخلون عبر بوابة السياحة التي سرعان ما تتحول إلى «طرارة» كما يسميها أهلنا خاصة مع ضعف أساليب مواجهة هذه الظاهرة، وهي ليست سهلة فأنى للجهات المختصة ان تعلم بأن قائد هذه السيارة الفارهة التي حل أصحابها ضيوفاً على البلاد ما هو إلا متسول لا يراعي عادات الدولة المضيفة، ولا يأبه لما يسببه لأهلها والمقيمين فيها من ضيق جراء تصرفه وسلوكه التسولي. فهل تعمد إلى ايقاف جميع السيارات الغريبة؟ بالطبع لا.. إذن فليس إلا تضافر الجهود حتى تتكامل النتيجة وأعني بها تعاون عامة الناس مع سلطات الاختصاص عبر خطوط هواتف مفتوحة على المدار لتلقي بلاغات الناس عن وجود سيارة متسولة تنتهك حرمة البيوت والطرقات أو المواقف والأسواق، ومع ضبط عدة حالات وتوقيع العقوبات في حقها، لا شك انها ستردع الآخرين، وشيئاً فشيئًا ستتلاشى هذه الظاهرة، وتختفي كما برزت، عدا ذلك فأرى أنه لا مفر من هذه الظاهرة التي استفحل أمرها، ولن يتغير فيها شيء، بل العكس تماماً فلربما أصبح التسول بالسيارات مألوفاً، وقد تتسع رقعة هذه الظاهرة أكثر مما هي عليه الآن، ويصبح المتسولون المتجولون الزائرون من المقيمين عندنا، فإقاماتهم سارية المفعول في الدول التي استخرجتها وأمورهم الحياتية تسير في بلادنا على ما يرام، وبأبسط مما يتصوره البعض، فالدخل ـ بفضل التسول ـ قائم والحياة آخر حلاوة.. إذن فلم العمل والتعب وقرفه؟ وقد تكون أحلامهم كبيرة فيطالبون باشهار جمعية خاصة بهم نسميها جمعية المتسولين أو نقابة المتسولين مثل بعض البلدان. email: fadheela@albayan.co.ae