من افرازات الصدمة الكبرى التي حلت بقطاعات الشعب الامريكي في اعقاب الهجمات المرعبة بطائرات مدنية استولى على قيادتها اشخاص يطلبون الموت، وما تبعها من حمى اعلامية متصاعدة الوتائر اندفاع جماهيري بلا نظير في كل انحاء الولايات المتحدة على المكتبات التجارية لاقتناء اي كتب عن الاسلام والعالم الاسلامي والحركات الاسلامية مع اقبال غير مسبوق بين طلاب الجامعات على برامج تدريس اللغة العربية والقرآن وتاريخ الحضارة الاسلامية.هذا هو محور تحقيق مطول نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الامريكية الاسبوع الماضي.ولاستبيان اهمية مضمون التحقيق كون انه يعكس صحوة شعبية في المجتمع الامريكي فإن الصحيفة تفيد بأن عدة كتب عن المواضيع المشار اليها وأشباهها ومتفرعاتها تعاد طباعتها بسبب نفاد الطبعة الاولى. لكن يبقى سؤالان: لماذا يجهل الامريكيون ما يجري في العالم الاسلامي وحقيقة الاسلام كدين؟ ثانياً: هل تدوم هذه الصحوة الشعبية الامريكية بما يؤدي الى تبلور فهم امريكي عام على المستوى الجماهيري لأحوال الامة الاسلامية، وتطلعاتها وتظلماتها، وما تلقى من حيف واستهداف وتحامل من المؤسسات الغربية عامة والامريكية خاصة؟ ان تحقيق الصحيفة الامريكية لا ينحصر في شأن العالم الاسلامي تحديداً. فالمغزى العام هو جهل جماهير الشعب الامريكي بالشئون العالمية على الاطلاق. ويعترف كاتب التحقيق صراحة بأن هذا الجهل ناشئ عن تراكمات تضليلية عبر عقود الزمن المتصلة يتحمل مسئوليتها جهتان: اولاً، كبار السياسيين في الحزبين الكبيرين، «الجمهوري» و«الديمقراطي» الذين يتبادلون السلطة، وثانياً، الشبكات التلفزيونية التي باتت المصدر الاوحد تقريباً للثقافة العامة في الولايات المتحدة. وليس من العسير استيعاب هذه الحقيقة. لقد ظللت لمدة ثلاثة اسابيع اتابع البرامج الاخبارية التي تقدمها شبكة «سي. إن. إن» الامريكية منذ وقوع الكارثة العظمى في 11 سبتمبر.ورغم تتابع الخبراء السياسيين الامريكيين من كل قطاع وكل تخصص في مقابلات وندوات بلا نهاية طوال هذه الفترة الا انه لم يصادفني اطلاقاً اي خبير يتحدث عن مظلمات العالم الثالث كجذور لظاهرة التمرد والتذمر التي يطلق عليها «الارهاب». كل ما جرى من مقابلات وندوات كان محصوراً في «النتيجة» وكيفية التصدي لها امنياً وعسكرياً وليس «السبب» الذي يتطلب التصدي له تدابير اقتصادية واجراءات اصلاحية سياسية لا تدابير قمعية تأديبية. وهذا هو التضليل بعينه. ومن الواضح ان الرسالة المراد بثها الى المشاهد الامريكي هي ان شعوب العالم الثالث عامة والامة الاسلامية بصورة خاصة والامة العربية بصورة اخص ليس لها اي قضية عادلة او شكاوى موضوعية تبرر التمرد ضد الغرب.. اذن، وهذا هو لب الرسالة، فهي شعوب شريرة بطبعها تمارس الارهاب كمسلك نابع من تعاليم الاسلام. واذا كان التلفزيون الامريكي، مصدر التثقيف العام الرئيسي، للجماهير الامريكية سوف يبقى على حاله التضليلي رغم صدمة 11 سبتمبر، فانه ليس هناك ما يحمل على الاعتقاد بأن الصحوة الشعبية الامريكية التي افرزتها تلك الصدمة سوف تدوم. والشيء بالشيء يذكر. فالصدمة الشعبية المماثلة في التاريخ الامريكي القريب التي افرزتها بشاعة الحرب الفيتنامية لم تعمر سوى بضع سنوات. لقد تبلورت تلك الصدمة بعد مضي ثلاث سنوات على الحرب عندما اخذت نعوش القتلى من شباب المجندين الامريكيين تترى على مطارات واشنطن ونيويورك كمشاهد يومية. ومع بلوغ الصدمة ذروتها تفجرت الشوارع الامريكية بالمظاهرات العنيفة «وحفلات» احراق بطاقات التجنيد الاجباري. وبعد نهاية الحرب انكمشت الامة الامريكية لتسائل نفسها: من هو شعب فيتنام؟ وهكذا شهد النصف الاول من السبعينيات الاقبال الشعبي على كل كتاب عن فيتنام وفتحت الجامعات الكبرى اقساماً لتدريس التاريخ الفيتنامي. ولكن ما هي الا بضع سنوات حتى اعاد التلفزيون الامريكي اثبات وجوده كأكبر مصدر للتثقيف القائم على التضليل.