انطلق دفق لم يسبق له مثيل من المقالات والتعليقات في اجهزة الاعلام ينصب على انتقاد العلاقات الامريكية ـ السعودية والعلاقات الامريكية ـ المصرية، وبينما قد يسعى البعض الى القاء اللوم فيما يتعلق بهذه الوضعية على كاهل الادارة الامريكية، التي اعربت في بعض المناسبات عن بعض القلق فيما يتعلق بالتعاون الذي تلقاه من اقرب حليفين عربيين لها، الا انه سيكون من قبيل الخطأ تصور وجود فاعل «رسمي» وراء هذا الجهد. في حقيقة الأمر فإن المصادر والدوافع الكامنة وراء هذه الحملة الفعلية هي اكثر تعقيدا من هذا بكثير، فبعض الانتقاد ينبع من معلقين مؤيدين لتكتل الليكود كانوا قد سعوا طويلا للاساءة الى هذه العلاقات، وهناك آخرون من اليمين المحافظ الجديد واليمين الديني المتشدد الذين عقدوا العزم فيما يبدو على اثارة مقولة «صراع الحضارات» ثم هناك من ينتمون الى «النخبة الليبرالية» الذين يبدو اهتمامهم المفاجيء والانتقائي بحقوق الانسان مثيرا للحيرة في افضل الاحوال. غير انه ايا كانت المصادر والدوافع فان النتيجة كانت دفقا من الاعلام السييء. ويبدو الموقف غريبا الى حد ما، مع مايبدو من ان ابن لادن قد اكتسب مجموعة غريبة من الحلفاء في غمار الجهد الذي يبذله لتقويض الشراكة بين الولايات المتحدة والعالم العربي. وحتى على الرغم من هذا كله فان مما يثير الاهتمام ان نلاحظ ان هذه الحملة لم تترك حتى الآن اثرا يذكر على المواقف الامريكية المعلنة سواء من السعودية او من مصر. وتوضح استطلاعات الرأي التي اجراها معهد زعبي الدولي مؤخرا (في 22 اكتوبر 2001)، ان الامريكيين لايزالون يشعرون بالارتباط القوي بمصر، وكذلك بمشاعر طيبة بالقدر نفسه على الاقل بالنسبة للسعودية على نحو ما كانت عليه الحال طوال العامين الماضيين. وفي الوقت الحالي، فان 60% من الامريكيين يقفون موقفا محبذا من مصر، بينما يقف 15% منهم موقفا غير محبذ منها وهذا وضع يمكن مقارنته بشكل ايجابي بنسبة 62% من المحبذين و 16% من غير المحبذين التي كانت سائدة في استطلاع اجري في يناير الماضي. اما السعودية التي لا تزال تحتفظ بتقديرها الايجابي الصافي حيث يحبذها 49% من الامريكيين ولا يحبذها 33% منهم، متراجعة عن تحبيذها بنسبة 56% فقد عادت تقديراتها الى حيث كانت في عام 1999 عندما اوضح استطلاع اجراه معهد زغبي ان 44% من الامريكيين يحبذونها وان 33% منهم لايحبذونها وقد كان ذلك العام هو العام الاول الذي يسجل فيه تقدير ايجابي صاف للمملكة في الولايات المتحدة. وفي الحالتين كلتيهما، سألنا من لهم وجهات نظر غير مميزة عن السبب في مشاعرهم السلبية، وفي حالة السعودية كانت الاسباب الاكثر اهمية التي طرحت هي على التوالي «علاقتها بالارهاب» و «لا سبيل الى الثقة بها» و «ليس معروفا اين تقف بالضبط» و «حكومتها» وعلى الرغم من ان من يقفون موقفا سلبيا من مصر كان عددهم نصف عدد من يقفون الموقف ذاته من السعودية، فان الاسباب التي قد نعرضها كانت هي نفسها، وهي «تأييد الارهاب» و «لاسبب الى الثقة» و «عدم وجود تأييد كاف للولايات المتحدة» و «حكومتها». وفي مجموعة اخرى من الاسئلة، سألنا من اجرى استطلاع على رأيهم عن العلاقة الاكثر اهمية مع الولايات المتحدة هل هي العلاقة الامريكية ـ الاسرائيلية ام العلاقة الامريكية ـ العربية، وليس من المثير للدهشة ان العلاقة الامريكية الاسرائيلية حظيت بقصب السبق بنسبة 37% بينما كانت العلاقة الامريكية، العربية تحظى بالاولوية من منظور 28% فقط ممن جرى استطلاع رأيهم، وشدد 23% على ان العلاقتين مهمتان. من الجدير بالذكر ان استطلاع الرأي هذا اجري في الاسبوع الثالث من اكتوبر اي بعد شهر من الحملة الاعلامية المناوئة للسعودية ولمصر، ولكن قبل ان توجه ادارة بوش لومها لحكومة شارون بقيامها باعادة احتلال المدن الفلسطينية في الضفة الغربية والاعتداء عليها. من الخطأ ـ حتى في ضوء هذه النتائج ـ بالنسبة لاي قائد عربي ان يأخذ الموقف الراهن على علاته، حيث ان بيانات استطلاع الرأي تبرهن على ان هناك تراخيا في تأييد الرأي العام الامريكي وفي المواقف الامريكية، واذا لم يتم التصدي لهذه الهجمات السلبية فانها يمكن ان تقوض تأييد الرأي العام، واذا تبنت الادارة الامريكية موقفا سلبيا تجاه اي من الحليفين العربيين فان الرأي العام يمكن ان يتغير بصورة دراماتيكية. من هنا فان الاوان قد آن للقيام بحملة اعلامية كبرى في الولايات المتحدة، ويشير استطلاعنا الى ان نسبة مئوية عالية الى حد كبير من الامريكيين تعرف انهم لايتفهمون ايا من العالم العربي او الاسلام وعلى سبيل المثال فانه بينما يعرب 52% ممن جرى استطلاع رأيهم عن وجهة نظر ايجابية من الاسلام يعرب 19% منهم عن وجهة نظر سلبية ولاشك في ان ذلك يرجع الى الجهود التي بذلها الرئيس بوش لمد يده الى الجالية الاسلامية وارسال رسائل مؤيدة اليها فان نسبة كبيرة من الامريكيين تصل الى 72% تقر بانها لا تعرف ما يكفي عن الاسلام وتشير الى انها بحاجة الى معرفة المزيد عنه. وقد اوجدت الازمة التي جلبتها الهجمات الارهابية في 11 سبتمبر وعيا جديدا بالعالم وطرحت اسئلة جديدة عنه، وهذه الاسئلة ستتم الاجابة عنها، وما ينبغي على العرب ضمانه هو ان يجيبوا هم على هذه الاسئلة وليس من يسعون الى تسميم الخطاب العام بالتقولات المناوئة للعرب وللمسلمين. ان من شأن شن حملة اعلامية كاملة ان يحدث اختلافا مهما، حيث يمكن ان يحدث الامريكيين عن نطاق الشراكة الامريكية ـ العربية في التجارة، الاستثمار، التبادل الثقافي، والدفاع المتبادل، وعن العرب باعتبارهم «اناسا حقيقيين» يشتركون مع اصدقائهم الامريكيين في القيم والآمال المعلقة على المستقبل، وعن الاسلام كدين وكطريقة حياة يوجد قيمة ويلهم مئات الملايين من البشر ان يحيوا حياة الفضيلة، وعن الخيوط المشتركة المتمثلة في الدين والتاريخ والثقافة والتي شكلت ولا تزال تشكل المصير المشترك. لقد تبنى الامريكيون عبر زمن اطول مما ينبغي وجهة نظر احادية البعد من العرب، وحتى بينما يعطون تقديرات ايجابية للدول العربية، فان معظمهم لا يعرف العرب كاناس حقيقيين ولايعرفون بشكل مفصل طبيعة الشراكة الامريكية ـ العربية ولا الفوائد التي يجنونها منها. وبعد الحادي عشر من سبتمبر ومع وجود كل هذا الذي يتعرض للهجوم من اولئك الذين يرونها فرصة لاضعاف الروابط الأمريكية ـ العربية، فان هذا هو الوقت المناسب لتغيير الوضعية الراهنة. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي