في عام 1948 نشر الاديب الانجليزي الشهير جورج اورويل روايته الشهيرة (1984)، وهو عنوان مثير وغير مسبوق حيث قلب الروائي العام الذي اصدر فيه الرواية ليصبح 84 بدلاً من 48، معتقداً او متنبئاً بأنه بحلول عام 1984 سيتحقق كل ما ورد في الرواية باعتباره وقتها كان اقرب ما يكون إلى الخيال العلمي. جوهر هذه الرواية ان الحكومات او «الاخ الاكبر» كما يقول اورويل سيصبح صاحب هيمنة كاملة على كل ما يخص الفرد من التحكم في انفاسه وحتى كيفية اتخاذه لأي قرار، بما يؤدي إلى ان يتحول كل الناس إلى نمط واحد لا يفكر او يتصرف الا بما يراه الاخ الاكبر. هذه الفكرة نفسها طرحها الكاتب المصري صبري موسى في الثمانينيات في روايته «السيد من حقل السبانخ». ويبدو ان ما كان الروائيون يعتقدونه خيالاً، قد تحول إلى واقع.. ليس فقط إلى واقع، بل ممهور بتوقيع رئيس اكبر دولة في العالم جورج بوش، حينما صادق قبل يومين على ما يعرف باسم قانون مكافحة الارهاب. قبل القانون كانت تتفاخر امريكا بأنها البلد الذي يفتح حدوده لكل الجنسيات ويسمح للجميع بأكبر قدر من الحرية الفردية. الآن اصبح من حق سلطات الامن الامريكية خاصة المخابرات المركزية والمباحث الفيدرالية التنصت على الهواتف بأنواعها وعلى البريد الالكتروني، والقبض على اي اجنبي وترحيله بدون ادلة اتهام ولمجرد الشبهة فقط. هذه الاجراءات كانت موجودة إلى حد ما قبل صدور القانون، حينما تم الكشف قبل شهور عن برنامج امريكي في استراليا يحمل اسماً كودياً هو «ايشلون». هذا البرنامج الاتصالي يتيح لواشنطن رصد كل همسة تحدث في العالم بأكمله عبر التجسس على الهواتف العادية والمحمولة ورسائل البريد الالكتروني، واذا كانت واشنطن اعلنت اثناء حرب الخليج عام 1991 ان وسائل تجسسها تستطيع تحديد نوع «الفانلة الداخلية» للرئيس العراقي، ترى إلى اي حد تستطيع وسائلها الحديثة الآن ان تصل. بهذا المعنى نستطيع ان نخمن إلى اي حد اصبحنا جميعاً في كل بلدان العالم «عراة ومكشوفين أمام الأخ الأكبر». لكن ان يتحول ما هو غير شرعي إلى قانون رسمي يتبناه الكونجرس ويصادق عليه الرئيس الامريكي.. فالمعنى الوحيد ان توقعات جورج أورويل وصبري موسى، وغيرهما قد اصبحت حقيقة قانونية معتمدة. لكن المأساة الاكبر ان امريكا تعتقد ان لديها الحق في محاكمة من تشاء وحيث تشاء في اي مكان بالعالم، في اراضيها او طبقاً لقوانينها المحلية، وعارضت مراراً فكرة محكمة الجزاء الدولية.. ولانها الدولة العظمى الوحيدة، فعلينا ان نسلم بأن القانون الذي وقعه بوش، يعني انه تحول عملياً إلى قرار ملزم صادر من مجلس الامن. اما ما يدعو للسخرية فإن هذا «الأخ» حاول مراراً ان يرتقي بشعوب العالم الثالث كي تصبح ديمقراطية، وعندما فشل في ذلك قرر ان يتدحرج هو للاسفل كي يتحول إلى «دولة عادية» كما قال فوكوياما. وعلى جميع شعوب الارض بعد صدور القانون ان تصبح اكثر ادباً وسكينة وان تصفق لكل ما هو امريكي، فجميع حركاتنا وهمساتنا ونوايانا اصبحت مكشوفة! emadiraqi @ Yahoo. com