بين كل مشاهد القصف والقتل والتدمير التي تطالعنا كل يوم على مدار الساعة عبر شاشات التلفزيون من مناطق العالم المختلفة ليس ثمة ما يثير اهتمامي ويبعث في نفسي الأسى أكثر من مشاهد الاطفال، محمولين على المحفات او ممدين على الأسرة في المستشفيات أو محدقين في رعب وذهول إلى عدسات الكاميرات وهم يتلفتون حولهم يرصدون كمية الدمار الذي احدثته الصواريخ التي اطلقت من الغواصات وحاملات الطائرات القابعة في أمان على بعد آلاف الكيلومترات، وما فعلته بمدنهم وقراهم القنابل التي اسقطت فوق رؤوسهم من الطائرات، والقذائف التي اطلقت عليهم من مدافع الدبابات. خلال ثوان معدودة وفي تقرير تلفزيوني من افغانستان توالت اللقطات كئيبة: مجموعة اطفال يخرجون من بين الركام.. يتجول بعضهم وسط الحطام، طفل يختبيء داخل برميل ولا يظهر منه سوى الرأس، طفلان يرسلان إلينا عبر الكاميرا نظرات زائغة ليس لها هدف سوى المجهول، طفلة تحتمي بجدها المسن ذي الشعر القطني الأبيض وقد بدا هو الآخر معدوم الحيلة.. وبعد ذلك كله طفلان يلهوان بطائرة ورقية وسط كل هذا الدمار والحطام! «عندما تسقط القذائف نهرب من البيت ولا نستطيع البقاء داخله ولا نستطيع النوم ونخاف جداً وتعاف أنفسنا الطعام. لقد هربنا من منطقة غرقى وجئنا إلى حي وزير أكبرخان». هكذا تحدث طفل أفغاني عن معاناته هو وأقرانه من هذا الذي يحدث حولهم وقد بدا زائغ النظرات ولا شيء في خلفية الصورة سوى الدمار الذي خلفه القصف الذي طال حي وزير أكبرخان أيضا.. وكان الطفل وأسرته قد اعتقدوا انهم سيجدون فيه الأمان. أطفال تتفتح أعينهم ومداركهم على أصوات الطائرات تقصفهم ودانات القذائف والقنابل تنهال عليهم لتعاقبهم على ذنب لا يمكن لعاقل أن يتصور أنهم مسئولون عنه. في تقرير آخر تطالعنا مجموعة من الاطفال تجري في أرض جرداء خلف أكياس صفراء القتها طائرات اخرى كانت ترافق الطائرات التي قصفت المدن والقرى. تلك الاكياس الصفراء لم تكن سوى المعونات والاغذية التي يقدمها اولئك الذين ارسلوا معها طائرات الدمار! كم هو محزن ومأساوي ان تصفع انساناً بيد وتربت باليد الاخرى على كتفه في حنان زائف لا لون له ولا طعم ولا رائحة. اذا ما انتقلنا من أراضي افغانستان الاكثر سخونة هذه الايام ويممنا شطر دول أخرى وجدنا المشاهد نفسها تتكرر ووجوهاً أخرى شبيهة بوجوه اطفال افغانستان تعيش المأساة نفسها. فالحديث عن اطفال فلسطين ـ على سبيل المثال ـ حديث متصل لا ينقطع بعد مرور عام على بدء الانتفاضة الثانية التي سطر الاطفال خلالها بطولات لا حصر لها وكانوا على رأس قوائم الشهداء، وتصدوا بصدورهم العارية لبنادق العدو الصهيوني ودباباته ومدرعاته، وبرؤوسهم المكشوفة لطائراته بمختلف اصنافها. مناظر هؤلاء الاطفال في الجنازات التي تخرج كل يوم، وهالات النور تحيط بوجوههم المضيئة، واجسادهم الغضة ممددة في النعوش.. هذه المناظر اصبحت مشهداً يومياً تلتقطه كاميرات الوكالات ومحطات التلفزيون العالمية دون ان يحرك ضمائر اولئك الذين يقيمون الدنيا ويقعدونها لصيد الحيوانات او ذبح الخراف من قبل المسلمين في اعيادهم. وعلى ذلك قس ما تعرض له أطفال لبنان إبان الحرب الاهلية والاجتياح الاسرائيلي واطفال الكويت والعراق والصومال والشيشان والبوسنة وكل المناطق التي تعرضت وتتعرض لجنازير الدبابات وهدير الطائرات وازيز الصواريخ.. تلك المشاهد والاصوات التي تتفتح اعين الاطفال عليها وتغدو جزءاً من حياتهم المختلفة عن حياة أقرانهم من أطفال العالم الذين ينعمون بحياة هادئة لا تتخللها تلك المشاهد او تجرح براءتها قعقعة السلاح ويغطيها غبار الانفجارات وترسم خطوطها رحلات الهجرة من قرية إلى قرية ومن حي إلى حي ومن مدينة إلى جبل أو سهل مخترقين الحدود بحثاً عن خيام تؤويهم ومنظمات تجود عليهم بالاغطية وما يقيم الاود حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً. واذا كانت الحرب قدر اولئك الاطفال الذين كتب عليهم ان يولدوا على ارض تحمل في باطنها خميرة الغليان فإن آثارها تطال بشكل او بآخر اطفالاً يسكنون على بعد آلاف الاميال منها. لاحظنا ذلك على اطفالنا ابان ازمة احتلال الكويت. لمسناه من خلال الاسئلة العفوية التي كانت تنطلق من أفواههم في براءة كانوا على وشك ان يفقدوها، وشاهدناه في النظرات الزائغة الحائرة التي تعبر عن الخوف والرعب اللذين يسكنان نفوسهم. شيء من هذا القبيل يتكرر هذه الايام منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر وانطلاق الحملة العسكرية ضد افغانستان. ويزيد الامر تعقيداً ويملؤه رعباً على رعب هذه الحرب الجرثومية التي بدأت بالجمرة الخبيثة ولا يعلم أحد كيف ستنتهي. نعود إلى نقطة البداية لنتساءل: أي مستقبل ينتظر هؤلاء الاطفال وهم يبدأون حياتهم بمشاهد العنف والقتل وقصف الطائرات واصوات الانفجارات تطرد النوم من عيونهم وتفقدهم الشهية للطعام؟ وهل يمكن ان نلومهم فيما لو كان الانتقام ممن سلبهم براءتهم وحرمهم نعمة الاستمتاع بطفولتهم هو ما سيضعونه نصب اعينهم عندما يكبرون؟ «ما هو الحل؟» هكذا تتساءل طفلة فلسطينية لم تتجاوز الثامنة من عمرها في تقرير تلفزيوني بعد ان تستعرض ما يتعرضون له من قصف ومطاردات وارهاب صهيوني لا يرحم، ترتسم معالمه على ملامح وجهها وتكسو نبرة صوتها الحائرة الحزينة. عندما يتحول اطفال مناطق الحروب إلى ناطقين رسميين باسم الكبار الذين تخرس ألسنتهم اسباب بعضها ظاهر واكثرها خفي لا يستطيعون التصريح به، يحق لنا نحن المسترخين في دعة على اطراف مناطق الاحداث ان نقلق على مستقبل اطفالنا ونتعاطف مع اقرانهم الواقعين في مرمى نيران الحروب. سوف تضع الحرب اوزارها أطال الزمان ام قصر. وستكون لها نتائجها القريبة، غير ان نتائجها البعيدة ستتمثل فيما ستخلفه من آثار على الاطفال الذين عاشوها والذين يشكلون جيل المستقبل، تلك الآثار التي بدأنا نشاهدها على اجساد بعضهم التي تشوهت، غير ان التشويه الاكبر هو ذلك الذي ستتركه في نفوسهم جميعاً دون استثناء.. وتلك هي المأساة الكبرى المسكوت عنها.