كأن تاريخنا لا يعيد نفسه فقط، بل ينسخ أحداثه ووجوه الذين يصنعونه فتغدو صفحات التاريخ صفحة واحدة بنفس العناوين، ونفس الهوامش ونفس الحبر من الصفحة الأولى وحتى الصفحة ما بعد المليون! ولاننا نستنسخ تاريخنا، فعلينا أن نعترف بأننا نجتر ردات افعالنا دون ان نؤثر في اي حدث. نحن حتى هذه اللحظة لم نستطع ان نصنع تاريخا او نكتب فيه ورقة واحدة دون تدخل من جهات اخرى ذات علاقات ومصالح وضغوطات. ولاننا شعوب ذات نفس قصير جداً. فإن التعامل العاطفي مع الاحداث هو طريقتنا الوحيدة في كتابة سيرتنا الذاتية، ولذلك فكل السير الذاتية التي تكتب في المحيط العربي تكاد تكون غير صحيحة! ولاننا شعوب ذات نفس قصير جداً وعاطفيون حتى العظم، فإننا لم نربح قضية، ولم نتجهز للدفاع عن اية قضية حتى الرمق الاخير، نحن لا نقدر على المواصلة لأن استعدادنا مازال ناقصاً! مع ان القيادات العربية السياسية افهمتنا شيئاً اخر منذ هزيمة 1948!! اذن ربما لم نفهم جيداً، لأننا مواطنون بسطاء اكثر من اللازم او اغبياء اكثر مما توقعته تلك القيادات!! ذات يوم قال نتانياهو مخاطبا العرب: «أيها العرب، انكم بحاجة إلى ثقافة سياسية». وما قاله نتانياهو صحيح، لكن ليس بالمعنى الذي قصده هو، فنتانياهو يريدنا أن نتثقف سياسياً لنقتنع بسياسته ونصدق اكاذيب حكومته، بينما نحتاج نحن لثقافة سياسية نتحصن بها ضد سياسته، وضد اي قمع يسلط علينا، نحن بحاجة ماسة لثقافة تجعلنا اطول نفساً، واكثر تصميماً واستحقاقاً لنكون شعوباً تستحق ان تكتب تاريخها بنفسها دون ان يملى عليها اي حرف. ودون ان تغش كلمة او جملة من كراسات الآخرين!! نحن بحاجة لثقافة سياسية تنقذنا من حالة البساطة التي مازالت قادرة على اقناعنا بأن مظاهرات التنديد التي تحرسها دوريات الشرطة هي شكل من اشكال الضغط على الحكومات! وان احراق العلم الامريكي او الاسرائيلي كفيل بأن يجعل تل أبيب وواشنطن تعيدان حساباتهما في قوة تأثير الشارع العربي! نحن بحاجة لثقافة سياسية تقنعنا بأن التأثير في صياغة القرار السياسي عملية اكثر من معقدة تحتاج وحدها إلى نضال وتراكم واثبات وجود، وان هذا التراكم لا يهبط من السماء، ولا يدفعه شهداء الاقصى نيابة عنا. ولاننا لم نعرف طريقنا إلى ممارسة الثقافة السياسية ولاننا شعوب مفعول بها دائما وليست فاعلة، فستظل كتابتنا للتاريخ لا تعدو اكثر من مهرجانات خطابية وبيانات ادانة وشجب ومسيرات سلمية محروسة بقوات الامن، وستظل اسرائيل متفردة ومستفردة بما مجموعه 300 مليون عربي يعانون من تهميش سياسي لا يخدم الا اسرائيل ولا يصب الا في مصلحة الدول الكبرى. Aisha@albayan.co.ae