مملكة من السحر والخيال .. تقع في واد عميق بين جبلين في بلاد (فارس) حدائق تجري من تحتها جداول الماء .. فيها نساء حور .. ووسائد من حرير .. ودخان حشيش أزرق .. وعسل .. وموسيقى .. ورقصات حسية متوحشة تسبق الاستسلام للرغبة .. قبل أن تنتهي الرغبة بجريمة بشعة من جرائم الاغتيال السياسي. هذه اللوحة رسمها الرحالة الايطالي الشهير (ماركو بولو) لمملكة الجبل في أسيا الوسطى .. أو مملكة (الحشاشين) الذين أغروا الشباب بكل متع الحياة وكأنهم في دنيا الخيال قبل أن يدفعوهم للجريمة الارهابية المنظمة. وربما لا تعرف أن كلمة (حشاشين) تنطق باللسان الأجنبي هسايين أو أساسين ومنها اشتقت كلمة أسيسينيشن أو assassination أو اغتيال باللغة الانجليزية.. وكأن كلمة اغتيال مكتوبة بحروف الدخان المخدر.. أنا أيضا لم أكن أعرف ذلك حتى قرأت كتاب المؤرخ اليهودي (برنارد لويس): (الحشاشون وبرنارد لويس) انجليزي المولد أمريكي الجنسية بعد أن ترك جامعة (لندن) ليرحل الى جامعة (برينستون) أشهر الجامعات الأمريكية .. وهو متخصص في تاريخ الاسلام والمسلمين والشرق الأوسط .. بل أنه أهم مؤرخي هذا التاريخ .. وله عدة كتب مهمة منها (العرب في التاريخ) و(نشوء تركيا الحديثة) و(الساميون واللاساميون) و(الاسلام والغرب) يضاف الى ذلك انه واحد من كتيبة المفكرين الذين راحوا يروجون لما يعرف بصدام الحضارات ونشر كتابا يسكب فيه الزيت على نيران التعصب والتشدد والحرب الدينية هو المسيحيون والمسلمون في عصر الاكتشافات. وقد كان برنارد لويس واحدا ممن يقدمون الاستشارات السياسية والدينية والتاريخية الى البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية وغيرها من أجهزة صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية .. ولعل كتابه الصغير الأخير: تنبؤات مستقبل الشرق الأوسط واحد من التقارير التي نصح الرئيس جورج بوش بقراءتها قبل دعوة دول الشرق الأوسط للدخول في تحالفه ضد ما وصفه بالارهاب.. وهو تقرير يستحق القراءة والفحص والتأمل.. فما فيه من أفكار وتصورات يمهد الأرض للسياسيين والعسكريين كي يلعبوا على ارض الواقع بفهم حقيقي لكل مافي هذا الواقع من حلم بالمعجزات.. وسطوة من أجهزة المخابرات. لقد بدأ تاريخ الشرق الأوسط الحديث ـ في رأيه ـ بحملة نابليون بونابرت .. وكانت أول حملة غربية الى قلب الديار الاسلامية .. وقد خرجت الحملة الفرنسية بحملة أخرى غربية .. انجليزية هذه المرة .. هي حملة أدميرال البحر هورشيو نلسون قائد الأسطول الانجليزي الذي دمر السفن الفرنسية في موقعة أبوقير البحرية .. وكان الدرس الأول على هذا النحو يحمل حقيقتين الأولى: أن حملة عسكرية صغيرة تستطيع غزو واحتلال بلد عربي دون صعوبة تذكر .. والثانية: إن الحملة الأولى لا تجلو الا بحملة غربية أخرى .. وهكذا .. أصبح مصير هذه المنطقة في يد قوى من خارجها.. واحدة تحل محل الاخرى.. واحدة تخرج وأخرى تدخل .. واحدة تسيطر واخرى تنسحب .. وقد بدأت هذه الثنائية بـ بونابرت و نلسون وانتهت بثنائية اخرى هي بوش وجورباتشوف .. قد اصبح العالم بعد ذلك وحيد القوة .. سقطت موسكو وانفردت واشنطن وهو ماوصفه البعض بنهاية التاريخ الحديث. وبسقوط الاتحاد السوفيتي خرجت ثمان دول جديدة الى حيز الوجود.. هي دول آسيا الوسطى والقوقاز.. اثنتان منها مسيحيتان هما: جورجيا وأرمينيا .. والباقي دول اسلامية هي: اذربيجان وكازاخستان وقرقيزستنان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان.. وبظهور هذه الدول التي تمتد عروقها الى تركيا وايران تسع الشرق الأوسط ليشملها .. وفي نفس الوقت ربطت بين الشرق الأوسط وباقي دول العالم الاسلامي ليصبح هذا العالم كتلة واحدة متصلة غير منفصلة وتؤثر في بعضها البعض .. وهو ماجعل أوجاع أفغانستان تحت القصف الأمريكي تجد صداها في مصر والمغرب والسودان وغيرها.. لقد فتحت الشرايين المسدودة ومدت الجسور القديمة المحروقة. ويعتقد برنارد لويس أن كثيرين في الشرق الأوسط يجدون صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد الناجم عن غياب القوى الاستعمارية.. فللمرة الأولى منذ نحو 200 سنة يواجه حكام وشعوب هذه المنطقة فكرة قبول كامل مسئوليات بلادهم وأن يتخذوا قراراتهم لوحدهم وأن يرتكبوا أخطاءهم بأنفسهم وأن يتحملوا مسئولياتها بعد أن اعتادوا لفترات طويلة تخطيط سياساتهم واتخاذ قراراتهم في أماكن أخرى بعيدة .. لكن الفراغ سرعان ما وجد قوة تغطية هي القوة الأمريكية التي وجدت الشرق الأوسط مفتوحا أمامها بمساحته التقليدية الضيقة .. وبمساحته الجديدة الشاسعة .. وهي رؤية تجعل مايحدث في افغانستان وماحولها يتجاوز حدود مطاردة أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وسطوة طالبان وضرب قواعد الارهاب .. يتجاوز ذلك كله ليمتد النفوذ الأمريكي من الدول العربية الى الدول الاسلامية بمعناها الاستراتيجي والجغرافي والسياسي الأوسع .. فهذه المنطقة هي الآن منطقة واحدة الآن. ولو كان النفوذ العسكري والسياسي ينمو في المنطقة بصورة تأخذ في التزايد فإن النفوذ الثقافي سبقه في الغزو والسيطرة والانتشار وهو ماسبب صداما وصراعا بين الأصولية والديمقراطية .. ولو كانت الأصولية مفهومة وسهلة وتجذب ـ بمساعدة الحرمان الاقتصادي والاضطراب الاجتماعي والخلل السياسي ـ اعدادا كبيرة من البشر ترى أن الحل في العودة الى الأسلوب الديني القديم، فإن انصار الديمقراطية يقدمون برنامجا غير مفهوم ولغة غير شائعة بالنسبة الى معظم الناس البسيطة .. كما ان كلمة الديمقراطية لطخت في أعين غالبية المسلمين بسوء استعمالها في أشد الدول تعسفا وقسوة وديكتاتورية إن الديمقراطية الدخيلة على اللغة العربية تفتقد الرنين الذي تتميز به كلمة مثل الشريعة. لكن .. الأمور تتغير .. ففي الدول التي يعتبر فيها الأصوليون قوة فعالة يتعلم المسلمون التمييز بين الاسلام كدين أخلاقي متسامح وأسلوب سهل للحياة من ناحية وبين الأصولية كعقيدة سياسية لا تعرف الرحمة من ناحية أخرى .. أن الوحشية التي عبرت عنها التنظيمات الأصولية المتشددة في مصر والجزائر والسودان من قتل وذبح وحرب أهلية جعلت اعدادا متنامية من المسلمين يرون في هذه الأصولية خطرا مميتا على ايمانهم وحضارتهم.. فالتحدي الأكثر جدية للنظام الاسلامي قد يخرج من بين صفوفه .. ولكن .. ماجرى مؤخرا في أفغانستان جعل الأصوليين المتطرفين رموزا للمقاومة الوطنية.. كما هو الحال بالنسبة لـ أسامة بن لادن وغيره .. وأعاد للتنظيمات الارهابية أرضا كانوا قد خسروها في معاركهم الداخلية .. فالعدو يأتي من الخارج الآن. لقد أنقذت السياسة الأمريكية بما فعلت مؤخرا الأصولية الاسلامية من أشد نقد موجه اليها هو استخدام العنف ضد المسلمين .. وتشخيصها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يقتصر على التفسير الاخلاقي ولا سيما المسائل الجنسية تاركا المشاكل المختلفة بلا برنامج عصري للحلول. إن التحدي الاساسي للأصولية هو كيف تقبل الديموقراطية؟ .. كيف تزاوج الحرية والايمان؟ .. لقد حاولت بعض التيارات الأصولية الوصول الى السلطة عبر صناديق الانتخابات لكنها لم تكن لترغب في أن تتنازل عن ما وصلت اليه عبر صناديق الانتخاب أيضا.. وكأنها وصلت الى السلطة بالديمقراطية ثم استغنت عنها .. أو كأن الديمقراطية وسيلة المواصلات التي أحرقتهابعد أن أوصلتها الى ماتريد ... لقد حدث ذلك في تركيا .. فبعد أن وصل التيار الأصولي الى السلطة راح يكشف عن عدائه السافر ـ عبر صحافته ـ لكل ماهو حديث وليبرالي ومختلف!. ولا يقتصر الصراع بين الديمقراطية والأصولية المسلحة على العالم العربي والاسلامي فهو يكتسب أهمية متزايدة في اسرائيل فالدين في حد ذاته لعب دورا مهما هناك.. فهو جوهر الهوية اليهودية وبالتالي جوهر الدولة العبرية.. ولكن الجديد أن العقيدة الدينية تكتسب تأييدا متزايدا في السياسة الاسرائيلية الداخلية وهو مافتح الباب لتحالف متشدد بين الجنرالات والحاخامات وهو أيضا مايهدد الديمقراطية التي كانوا يتباهون بها. وقد حولت الأصولية اليهودية المسلحة الصراع العربي الاسرائيلي الى صراع ديني وهو ماسد كل الطرق امام الحلول السلمية .. فعندما يكون الصراع على أساس المصالح يكون من السهل التوصل الى حلول وسط على مائدة المفاوضات .. لكن .. عندما يكون الصراع على أساس ديني يصعب قبول تنازلات من أي طرف .. لأن الصراع في هذه الحالة يكون بين الحق والباطل .. على أن المجتمع الاسرائيلي لم يعد ذلك الخشن الصلب والمتقشف الذي بناه جيل الرواد .. ان ذلك جعله غير مستعد لدفع ثمن المصاعب الناشئة عن احتلاله لشعب غير راغب في هذا الاحتلال .. لقد تجاوز الاسرائيليون كل الحدود الانسانية وهم يواجهون الانتفاضة .. لكنهم اكتشفوا أن استمرار سلطتهم يتوقف على دفع تكاليف اخلاقية وبشرية ومادية لا طاقة لهم بها. وفي البلاد العربية الرافضة للحرب من جديد أدت التصرفات الوحشية للإسرائيليين في الاراضي المحتلة الي تبريد السلام مع الجارة المشاغبة التي زرعت في القلب زرعا .. وفي عصر تراجعت فيه القومية العربية واختفت التحديات الوطنية الخارجية لا يزال الصراع ضد اسرائيل هو القضية المشتركة الوحيدة .. وليس هناك أي شئ قادر على احياء المشاعر القومية العربية الباهتة سوى الأفعال التي تقوم بها اسرائيل .. ان بعض السياسات الاسرائيلية خدمت القومية العربية أكثر من أي شئ آخر. وليست اسرائيل هي المشكلة السياسية الوحيدة في العالم العربي.. ليست وحدها عامل الحرب الوحيد في المنطقة.. ان ماجرى في لبنان والكويت والعراق والسودان من حروب لم يكن لاسرائيل يد فيها وان كانت استفادت منها ولو بصورة غير مباشرة .. ان ضحايا الحرب الاهلية في السودان هم خمسة أضعاف الحروب العربية ـ الاسرائيلية مجتمعة .. وكادت الحرب الاهلية في لبنان أن تفكك الدولة هناك .. ولم يؤد الغزو العراقي في الكويت الا لخراب العراق وسيطرة القوى الغربية على مصادر الثروة النفطية .. كما أنها مع عوامل أخرى ساهمت في تنشيط الاقليات الخاملة في معظم الدول العربية فيما عدا مصر والمغرب وكل منها أمة حقيقية بكل مافي الكلمة من معنى. ورغم أن حرب تحرير الكويت قد انتهت باستقرار في سوق النفط واطمئنان من المستهلكين بعدم وجود توترات واضطرابات من المنتجين فإن توسيع رقعة الشرق الأوسط لتصبح الجمهوريات السوفيتية السابقة ـ الغنية هي الأخرى بالنفط ـ جزءا منه قد اعاد القلق والاضطراب الى سوق هذه السلعة المؤثرة في السياسة بصورة لم تتح لسلعة غيرها في التاريخ البشري كله. لكن .. الصراع على النفط لن يكون كالصراع على الماء .. ان مشكلة المياه ستكون قضية أهم من قضية النفط .. خاصة وأن المصادر المتاحة من الماء في بعض الدول تستنفد دون أن تتجدد .. إن استغلال المياه يجاوز الحدود القصوى في اسرائيل والأردن وشبه الجزيرة العربية ولبنان وسوريا وتركيا .. وفي الوقت نفسه لم تعد الزراعة في المنطقة بأسرها تكفي لاطعام جميع السكان.. ان عدد العرب على سبيل المثال قد قفز من 252 مليون نسمة في عام 1996 الى 290 مليون نسمة في عام 2000 ويستورد العرب ماقيمته 40 مليون دولار من الطعام كل يوم .. ويستوردون ثلاثة أرباع مايحتاجون من السكر والقمح والزيوت النباتية .. وتكمن المشكلة في ايجاد الصادرات اللازمة لتغطية هذه الواردات .. وفي الوقت الراهن تقل صادرات العرب غير النفطية هم والايرانيون معا عن صادرات دولة ليس لها تأثير في التجارة العالمية مثل فنلندا .. وفي ظل ذلك كله فإن خطر الجفاف والجوع يلقى بظلاله على المنطقة .. وستزداد الأزمة حدة بعد أن تتوقف المساعدات الأمريكية والأوروبية .. وستتحول الأزمة الى مأساة عندما يعود نحو 6 ملايين عامل - يعملون في دول أخرى عربية وغربية ـ الى بلادهم .. في هذه الحالة ستكون المشاكل الاجتماعية رصيدا في الحطب الجاف يغذي نيران الأصولية المسلحة.. لتكتمل الحلقة المفرغة للصراع في الشرق الأوسط. إن المنطقة التي كانت مهدا لولادة الديانات السماوية وتتمتع بموقع استراتيجي لم يفقد أهميته في عصر الاتصالات والمعلومات، تحتاج الى انتباه ذاتي من داخلها لتخفف من حدة الصراعات الاقليمية والمحلية .. ولتتفرغ لتجاربها السياسية والاقتصادية ..إن ذلك يعني تقلص فرص القوى الكبرى في التدخل في شئونها .. فهذه القوى لا تجد نفسها الا في الأزمات.. هي تحتاج الى جنازة وتشبع فيها لطم وبكاء. ولو استمرت دول الشرق الأوسط في طريق الهاوية التي تمشى فيه .. فإن الجنازة ستكون جنازتها .. والبكاء سيكون عليها. ـ كاتب وصحفي مصري