شاهدته في الحلقة السابقة في برنامج المسابقات التلفزيوني «من سيربح المليون»، وأسهم بفطنته وطيبته ولهجته العتيقة بتأجيج مشاعر غزيرة لدي اعادتني الى سنوات الطفولة الغابرة. شدّني ذكاء يوسف دحنون وابتسامته الواثقة بالفوز، وجذبني من دون أن ادري بذراعي الى تلك المنطقة القصيّة، حيث قريته وقريتي تربضان بين سفوح وتلال الجنوب اللبناني. هذا الشاب الذي فقد نعمة البصر، منحه الخالق سبحانه وتعالى نعمة البصيرة والنظرة الثاقبة والذاكرة المتّقدة، ليتحوّل صبياً ذكياً بالفطرة، محبّاً للمغامرة أمام آلاف المشاهدين، وفي برنامج لا يحسد أيّ كان على الوقوف امام «سطوة» مقدّمه لقدرته على بلبلة الأفكار وتشتيتها! ولم أكن لأنشدّ بهذه الحماسة لمتابعة هذه الحلقة التلفزيونية، لو أن هذا الشاب الجنوبي كان مبصراً، إذ أنني شاهدت في حلقات سابقة عشرات المتسابقين نحو ثروة المليون، ولم أشهد بينهم سوى القليل ممن يتمتعون بالبصيرة والثقة بالنفس. ويبدو أن يوسف دحنون بلكنته الريفية الخام التي لم تبدّل منها شيئاً التكنولوجيا والعولمة وزحف المدينة الى الأرياف، جعلني أتلهف اكثر لمتابعته، واكتشاف سر ابتسامته الواثقة مع كل سؤال يطرح عليه وبعد كل اجابة صحيحة يقدّمها، وفاجأني أكثر برحابته وخلوّه من عقد النقص، حين كان يطلب من مقدّم البرنامج قراءة ما هو مكتوب على «الشيك» وهو يسلمه اياه عند اي مرحلة من محطات الفوز. وبينما كنت أشاهد يوسف دحنون مبتسماً وواثقاً، قفزت بي الذكريات بعيداً الى حواري القرية القديمة، حيث «جميل» أحد أقربائي الذي لم أشاهده منذ خمس سنوات وهو لم يرني منذ اكثر من ثلاثين سنة كونه فقد ايضاً نعمة البصر صغيراً. «جميل» هذا كان أنيسنا في السهرات، بحكاياته الجميلة وقفشاته الساخرة ولقطاته الذكية، كان اذاعة متنقّلة بين أزقة القرية وحواريها، يغني ويقدم الاخبار، ونشرة الاحوال الجوية، كان ساعة القرية، حيث القليل كان يضعها على معصمه. إنه واحد من علامات القرية الفارقة وحتى في زمن الاحتلال ظل يتابع تجواله، ويقدم آخر الاخبار، بعد سماعه بالتطورات من مذياع صغير يحمله بين يديه. هذا الصبي الصغير صار كهلاً الآن، ولم يعد يذيع نشرة الأخبار او يغني، لكنه مازال فاكهة السهرات الصيفية والشتائية، يعرف الجميلات كلّهن، ويتعرّف على الاشخاص من ملمس اليد ويحب الشاي كثيراً. وأجمل كلمة يتفوه بها حين يبادرك بالقول: «رأيتها».. أو «عيونها حلوة»! لست أدري لماذا ذكّرني الشاب يوسف دحنون بالكهل جميل حيدر، هل لأنهما يمتلكان البصيرة ذاتها، والثقة بالنفس، وغزارة المعلومات.. واللكنة الجنوبية العتيقة؟! ولعل قوة البصيرة هي ما يحتاجها البشر في أي وقت، إذ ما نفع العيون اذا كانت للنظر فقط؟ يوسف وجميل ربما كانا غير معروفين، لكنهما يشكلان نموذجين لقوة الارادة والاقبال على الحياة بحب وانفتاح وهذا ما يفتقده الكثيرون من المبصرين في زمننا. Email:Ismail_haidar@yahoo.com